تأملت في تكرار التقوى ثلاث مرات في هذه الآية، فوقع لي وجهين:
١- أحدهما: أن الأول للماضي والثاني للحال والثالث في المستقبل ...
٢- الثاني: أن الأول في مقام الإسلام والثاني في مقام الإيمان والثالث في مقام الإحسان: والمؤمن لا تكمل تقواه حتى يترك ما حرم الله ولا يتم دينه إلا بهذه المقامات الثلاثة.
(لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) ﱸجاءت في سياق آيات منع المُحرِم من الصيد، وفيها تربية للنفس على ترك المباح في أصله -وهو الصيد- الذي حُرّم مؤقتا؛ طاعةً لله، وتأمل كلمة: (بِالْغَيْبِ) ففيه تنبيه على نية من يصيد، ومن يُصاد له.
الحج قوام الدين والدنيا: يقول ابن جرير في قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ): «كانت هذه الأربع قوام أمر العرب -الذي كان به صلاحهم في الجاهلية-، وهي في الإسلام لأهله معالم حجهم، ومناسكهم، ومتوجههم لصلاتهم وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم».
إن الإنسان محتاج دائمًا إلى منشطات الأمل وكوابح الغرور، فإن يأسه من النجاح يقوده إلى السقوط، واغتراره بما عنده يمنعه السبق؛ ولذا كان من سنن القرآن الجمع بين الوعد والوعيد، كما في قوله: (اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ليظل الإنسان دائمًا محكومًا بمشاعر الخوف والرجاء.
قام نبيك - صلى الله عليه وسلم - ليلة كاملة بآية يرددها حتى أصبح، وهي: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ،( أخرجه النسائي ح(١٠١٠)، ابن ماجه ح (١٣٥٠).) لذا قال ابن القيم: «فإذا مر بآية -وهو محتاج إليها في شفاء قلبه- كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة! فقراءة آية بتفكر وتفهم، خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن».
من المفاتيح المعينة على تدبر القرآن: معرفة مقصد السورة، أي: موضوعها الأكبر الذي عالجته، فمثلًا: سورة النساء تحدثت عن حقوق الضعفة: كالأيتام، والنساء، والمستضعفين في الأرض، وسورة المائدة في الوفاء بالعقود والعهود مع الله ومع العباد، بينما سورة الأنعام -هي كما قال أبو إسحاق الإسفراييني-: «فيها كل قواعد التوحيد»( حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي 3/307.)وقس على ذلك.