إنّ اختيار هذا التعبير اختيارٌ عجيب، وفيه آياتٌ عظيمة لمن تدبَّر ونظر!
فلم يقل: (ممسكون) أو نحو ذلك؛ لأنّ الذي يمسك فرجه عما لا يحل يكون حافظًا لنفسه من العقاب والآفات والأمراض والأوجاع!
خلق سبحانه الحناجر مختلفة الأشكال: في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر؛ فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اختلاف، ولا يكاد يشتبه صوتان إلا نادرا (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)
من ضعيف حُجج الملأ وغريبها قولهم لأقوامهم -تكذيبًا للرُّسل-: (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ)؛ فيقال لهم: فإن اتَّبعوكم في تحذيركم هذا؛ هل سيخرجون عن أن يتبعوا بشرًا مثلهم؟!
قال تعالى: (وَجِلَةٌ) أي: خائفة، يقول الحسن البصري: يعملون ما يعملون من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم، إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا.
الآية دليل على أن المبادرة إلى الأعمال الصالحة: من صلاة في أول الوقت -وغير ذلك من العبادات- هو الأفضل، ومدح الباري أدل دليل على صفة الفضل في الممدوح على غيره.
أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان، والخشية والمحبة والإنابة، والتصديق بالوعد، ورجاء الثواب، وسُقيت مرة بعد مرة، وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها، والقيام عليها، أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه في الطاعات؛ فاحذر أن تكون ممن قال الله فيهم: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ).
استجابة الناس للداعية الغريب عليهم ضعيفة غالبًا، ويسهل قبول الطعن فيه من خصومه، وإنكار ما يدعو إليه، بخلاف ما إذا كان معروفًا بشخصه وبأخلاقه؛ فالأولى بمن ذهب لبلد لا يعرف فيه أن يكون هناك من وجهاء البلد من يعرِّف به ويزكيه.