(خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) الحكمة من ذكر عجلة الإنسان ههنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت، فقال تعالى: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ)؛ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر؛ ولهذا قال: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي) أي: نقمتي واقتداري على من عصاني (فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ).
(وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا) تأمَّل هذا التهديد والوعيد بأسلوب بديع: (الـمَسُّ) هو الإصابة الخفيفة، و(النفحة): القليل من الشيء، و(من) دالة على التبعيض، و(العذاب) أخف من النكال، و(ربك) هذا يدل على الشفقة. إن من سيكون هذا واقعه عند أول نفحة تمسُّه من بعض عذاب ربٍّ رحيم، كيف سيصبر على أنكال لدى الجبار؟! إنَّه لحري أن يبادر بالنجاة منه.
هكذا قال قوم إبراهيم -لما دعاهم إلى التوحيد- فهم يدركون أن الدين الحق لا يجتمع مع اللعب والباطل؛ فكيف يريد بعض المنهزمين أن تعيش الأمة بدين ملفق يجمع أنواعًا من اللعب والباطل مع شيء من الحق؟ (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ) (يونس:٣٢)؟
هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء، القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء! فالسبب سنة الله في خلقه؛ فمن طعن في ذلك، فقد طعن في الكتاب والسنة.
إن قيل: كيف سمَّى الله أيوب صابرًا، وقد أظهر الشكوى بقوله: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ)، وقوله: (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)؟ قلت: ليس هذا شكاية، وإنما هو دعاء، بدليل قوله في الآية الأخرى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ).
في قصة إبراهيم في سورة الأنبياء قال: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)، وفي الصافات: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) ، وهي قصة واحدة فما الحكمة فيه؟ والجواب: في سورة الأنبياء أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه كاد أصنامهم (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) ، وأخبر أنهم أرادوا أن يكيدوه كذلك (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا) فتقابل الكيدان، فلما عاد عليهم كيدهم عبر بالخسارة. وفي الصافات قال قبلها: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) فلما رموا نبي الله من فوق البناء إلى أسفل، عاقبهم الله من جنس عملهم فجعلهم هم الأسفلين، وأصبح أمر نبي الله عاليًا.
كرم الرب يتجاوز طمع الأنبياء فيه - مع عظيم علمهم به - فهذا زكريا لهج بالدعاء ونادى: (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا)، فاستجيب له وجاءته البشرى فلم يملك أن قال: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) ، .. فلله ما أعظم إحسان ربنا! وما أوسع كرمه! فاللهم بلغنا -برحمتك- فوق ما نرجو فيك ونؤمل.