التفث: لفظةٌ غريبة، لم يجد أهل العربية فيها شِعرًا، ولا أحاطوا بها خُبرًا، لكنني تتبعت التفث لغةً، فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال: إنه قص الأظفار، وأخذ الشارب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح.
بعد أن ذكر الله المناسك -في سورة الحج- قال: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)، ففيه إشارة إلى أن الحج ليس أقوالًا وأعمالًا جوفاء، وأن الخير الكثير إنما هو لمن تنسك معظمًا لحرمات الله، متقيا معصيته؛ ولعل في افتتاح السورة بالأمر بالتقوى، واختتامها بالجهاد في الله حق المجاهدة تأكيدًا على ذلك.
"تعظيم السلف لليلة القدر:
كان تميم الداري يتأول قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) فقد اشترى حلة بألف درهم، يلبسها في الليلة التي تُرجى فيها ليلة القدر.
قارن هذا مع حال بعض الناس يأتي بثياب نومه للمسجد مع قدرته!
قال بعض السلف: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) إن اتقيت الله في هذه البدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله؛ تعظيما لشعائر الله، ولحرمات الله، وجعلته طيبًا، فذلك الذي يتقبل الله، فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟
(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) لا يبعد أن يكون المعنى: أنَّ الكفار يستعملون كلَّ ما في إمكانهم لإضرار المؤمنين، فيدفع الله كيدهم عن المؤمنين، فكان دفعه سبحانه لقوة عظيمة أهلها في طغيان شديد، يحاولون إلحاق الضرر بالمؤمنين؛ وبهذا الاعتبار كان التعبير بالمفاعلة، في قوله: يدافع، وإن كان e قادرًا على إهلاكهم، ودفع شرهم عن عباده المؤمنين.
وأما وقيعة الفساق في أهل الفضل والدين، فعلى شَبَهٍ ممن قال الله فيهم: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا). واستخفاف هؤلاء بالدين يحملهم على إشاعة أشياء عن العلماء والدعاة منهم، ورجال الحسبة فيهم، بقصد الشناعة عليهم.
سورة الحج.. فيها من التوحيد والحِكَم والمواعظ على اختصارها ما هو بيِّن لمن تدبره، وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها: توحيدًا وصلاة وزكاة وصيامًا، قد تضمن ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فهذه الآية والتي بعدها لم تترك خيرًا إلا جمعته، ولا شرًّا إلا نفته.