إن مجرد طول العمر ليس خيرًا للإنسان إلا إذا أحسن عمله؛ لأن طول العمر أحيانًا يكون شرًا للإنسان وضررًا عليه، فهؤلاء الكفار يملي الله لهم أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات لا لخير لهم، ولكنه لشر لهم؛ لأنهم سوف يزدادون بذلك إثمًا.
كرر حرف الجر (الباء) مع العطف، وهذا لا يكون إلا للتأكيد، وهذه الآية حكاية كلام المنافقين، وهم أكدوا كلامهم نفيًا للريبة وإبعادًا للتهمة؛ فنفى الله الإيمان عنهم بأوكد الألفاظ، فقال: (وما هم بمؤمنين ) .
(فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) دعاء القنوت لا ينبغي الإطالة فيه، وجعله موعظة في سجع متكلَّف، وترنيم وتطريب، يستثير به عواطف الناس، ويستدعي بكاءهم، بما لا تجد معشاره أثناء قراءة القرآن، والقرآن أعظم واعظ.
تمر بالأمة أحداث عظيمة ينتظر فيها الأخيار قول الحق من بعض المتبوعين، فإذا هم من المعوقين!! فيزداد الناس حزنًا وقنوطا، ولو تدبروا هذه الآية؛ لأدركوا كم في ذلك من منح تفوق تلك المحن.
قوله تعالى في وصف المنافقين: (في قلوبهم مرض) المريض يجد طعم الطعام على خلاف ما هو عليه، فيرى الحامض حلوًا، والحلو مرًّا، وكذلك هؤلاء المنافقون يرون الحقَّ باطلًا، والباطل حقًّا.
كثيرون يقصرون معنى هذه الآية على البخل بالمال، والمعنى أشمل وأعم كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه واختاره ابن كثير(ينظر: تفسير القرآن العظيم (2/ 175) )؛ ولهذا لم يدرك أولئك خطورة ما يبخلون به من علم أو جاه أو نعمة خصهم الله بها، ويحسبون أنهم يصنعون خيرًا لأنفسهم، وما صنعوا إلا شرًا، والجزاء العاجل سلب هذه النعم من العبد وغدًا، (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
من مظاهر التكبر العقلي: عدم الرضا بما يرضى به بسطاء الناس(آمنوا كما آمن قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ) (واتبعك الأرذلون) (الشعراء)، (إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي )(هود) ثم تبدأ صورة أشد من هذه حين يجعل المتكبر انقياده للأمر دليلًا على أنه صحيح، وعدم انقياده للأمر دليلَا على أنه خاطئ!(وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) (الأحقاف)!
تأمل كيف قالوا: (إنا معكم ) مع أن مقتضى الظاهر أن يكون كلامهم بعكس ذلك؛ لأن المؤمنين يشكون في إيمان المنافقين، وقومهم لا يشكون في بقائهم على دينهم؛ لأنه لما بدا من إبداعهم في النفاق عند لقاء المسلمين ما يوجب شك كبرائهم في البقاء على الكفر، وتطرق به التهمة أبواب قلوبهم: احتاجوا إلى تأكيد ما يدل على أنهم باقون على دينهم!
الأمثال المضروبة في القرآن قسمان:
قسم يصرح فيه بتسميته مثلا، كقوله:
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ...) البقرة (17)
وقسم لا يصرح فيه باسم المثل:
كقوله تعالى:(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ...) آل عمران (11)
في ثلاثة مواضع من القرآن،
وكقول يوسف: (... أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ ...) يوسف (39)