من أشد أنواع العقوبات أن تكون نفس الإنسان وجسده مصدرًا لعقوبته، وهذا مما توعد الله به أهل النار؛ زيادة في إيلامهم: (َوَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)
(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) كلهم سيذوقونه: المحسن والمسيء، الغني والفقير، المتواضع والمتكبر.. فإذا كانت هذه نهاية الجميع، فطوبى لمن لقي ربَّه وقد أمضى حياته فيما يستطيعه من تعبُّد، ودعوة إلى الله، ونفع للخلق
يمكن أن أسيغ من عبيد البقر أن يجهلوا الكون وربه، ولكني لا أسيغ أبدًا من أتباع القرآن أن يعيشوا عَجَزَةً محجوبين بين أسرار الكون وقواه، وما أودع الله فيه من مرافق ومنافع! كيف وفي الصفحات الأولى من كتابهم: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ).
ما نسمعه من النصارى وأضرابهم من سب حبيبنا والإساءة إليه، قد جاء الخبر عنه في القرآن: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا )، ثم بين المخرج فقال: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) فإذا صبرنا على ديننا، ولم نتعد حدود الله بعواطفنا، واتقينا ربنا، فإن العاقبة لنا.
قال تعالى في سورة البقرة: وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وقال تعالى في سورة الأعراف: وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (١٩) الحكمة في التعبير بلفظ اسْكُنْ في الآيتين دون غيره من الألفاظ التي تؤدي نفس المعنى إشارة إلى قصر وقت الإقامة في الجنة حينذاك؛ لأن الله تعالى إنما خلق آدم لخلافة الأرض.
إن الله رحيم ودود، يلهم عبده المخطئ كيف يعتذر عن خطئه، فإذا أقبل عليه معتذرًا هش للقائه، وكان إليه بكل خير أسرع!؛ لذلك لم يترك آدم يواجه عاقبة عصيانه، بل علمه كيف يرجع إلى ربه ويتخلص من ذنبه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
انظر كيف سمى الله تعالى السابقين بأزمان بعيدة أصحابًا لهؤلاء؛ وذلك لاتفاقهم في التكذيب، ورمي الرسل بما لا يستحقون، فهم أصحاب في الواقع، وإن تباعدت الأزمان والأماكن.