المسلمون إذا نسوا أنهم أمة واحدة، وفرقتهم العصبيات الجاهلية، وفرقتهم الحزبيات، فإن شمس عرفات تذكّرهم بوحدتهم، وتعيدهم إليها، وكل عمل من أعمال الحج مذكر بالوحدة الإسلامية (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).
إذا تأملت قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)، وأضفت له قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) ، تبين لك أن الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا؛ لأنه وعد أهل الحسنى بالإبعاد عن النار، وأخبر أن الصحابة سواء من أسلم قبل الفتح أو بعده موعود بالحسنى.
قال ابن هبيرة في قوله تعالى: اختص الله تعالى بعلم الجهر من القول من جهة أنه إذا اشتدت الأصوات وتداخلت فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان، ولا يميز الكلام، أما الله فإنه يسمع كلام كل شخص بعينه، ولا يشغله سمع كلام عن سمع آخر.
قال ابن هبيرة في قوله تعالى: (احْكُم بِالْحَقِّ) المراد منه: كن أنت - أيها القائل- على الحق؛ ليمكنك أن تقول: احكم بالحق؛ لأن المبطل لا يمكنه أن يقول: احكم بالحق!
(وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) تذكرت هذه الآية، وأنا أنظر إلى المسلمين، كيف تغير دولاب حياتهم من حين دخل رمضان، لقد انصهروا من جديد، فما أسهل صياغة الحياة عبر نظام الإسلام إذا صدقت النوايا، وخلي بين الناس وبين الخير.
يا هذا! اعبد الله لما أراده منك لا لمرادك منه؛ فمن عبده لمراد نفسه منه، فهو ممن يعبد الله على حرف (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)، ومتى قويت المعرفة والمحبة، لم يرد صاحبها إلا ما يريده مولاه.
نظرت في هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ)، ثم قال: (وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) فرأيت الجمادات كلها قد وصفت بالسجود، واستثنى من العقلاء، فقلت: هذه قدرة عظيمة، يوهب عقل الشخص، ثم يسلب فائدته! وإلا فكيف يحسن من عاقل ألا يعرف بوجوده، وجود من أوجده؟ غير أنه سبحانه وهب لأقوام من العقل ما يثبت عليهم الحجة، وأعمى قلوبهم كما شاء عن المحجة.
(وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: ٢٥) كان جماعة من الصحابة يتقون سكنى الحرم، خشيةَ ارتكاب الذنوب فيه، وروي عن عمر h قوله: «لأن أخطئ سبعين خطيئةً بغير مكة أحب إليَّ من أن أخطئ خطيئةً بمكة»!
(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) كان النهي عن الشرك أول شيء أُمِر به إبراهيم بعد إعلام الله له بمكان البيت، والمأمور بذلك أبو الأنبياء وداعية التوحيد ومكسر الأصنام إبراهيم؛ مما يدل على عظم خطورة الشرك!