| ٣٦٨١ |
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) }
لما ذكر أن الإنسان أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، واستدعى ذلك النظر فيمن أوجده وخلقه قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} فنسب الخلق إلى نفسه سبحانه بضمير التعظيم وأكده بإن؛ لأن ذلك يستدعي التعظيم ويستدعي التوكيد.
وقد ذكر ضمير الخالق مرتين: مرة مع (إن) فقال: (إنّا)، ومرة مع الفعل خلق فقال: (خلقنا)، للدلالة على أنه هو الخالق وحده، وأنه ليس معه شريك. وقال: (نبتليه) بإسناد الابتلاء إليه ليعلم أن المبتلى هو الخالق. ثم أسند كل الأفعال إليه ليعلم أنه هو صاحبها لا غيره. ولم يبن فعلاً للمجهول، فإنه لو فعل ذلك لم يفد هذه الفائدة. ولأنه هو الخالق وهو الذي امتن عليه بالنعم فجعله سميعًا بصيرًا مميزًا استحق أن يعبد ويشكر.
و(الإنسان) هنا بنو آدم وليس آدم، بدليل قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} فإن آدم لم يخلق من نطفة (1).
والذي يترجح عندي – والله أعلم – قول من ذهب إلى أن المقصود بالإنسان المذكور في الآية الأولى هو آدم عليه السلام، وفي الآية هذه بنوه (2)، فيكون قد ذكر خلق آدم وبنيه، وهو أدل على القدرة وأظهر؛ لأن فيه نوعي الخلق: الإيجاد والاستمرار.
ولذا – والله أعلم – كرر كلمة (الإنسان) ولم يذكر الضمير فقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ .... إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} ولم يقل: (إنا خلقناه). ولو قال: (إنا خلقناه) لتعين أن يكون المقصود بالإنسان في الموضعين هم ذرية آدم ولم يشمل آدم. فكرر كلمة (الإنسان) ليحتمل أن يراد بالأول آدم وبالتالي ذريته فيشملهما جميعًا.
ومعنى (الأمشاج): الأخلاط، يقال: مشج يمشج مشجًا إذا خلط، ومشجه ومزجه بمعنى، والمشيج: الخليط، والممشوج: المخلوط (3).
وكلمة (أمشاج) تستعمل مفردًا وجمعًا، شأن كلمة هجان ودلاص وبشر وفلك وغيرها، فيقال في المفرد: مَشَج بفتحتين، كبطل وأبطال، ويقال: مشيج، كشريف وأشراف، وجمعهما أمشاج، ويقال في المفرد أمشاج أيضًا، كقولهم: برمة أعشار، وبرد أكباش، وثوب أسمال، وعلى هذا يقال: نطفة مَشَج، ونطفة مشيج، ونطفة أمشاج (4).
واختار كلمة (أمشاج) على المشَج والمشيج لكثرة ما فيها من أخلاط وامتزاجات، وربما وصف الشيء بالجمع لإرادة التكثير، فيقال مثلاً:
"بلد سبسب وبلد سباسب، كأنهم جعلوا كل جزء منه سبسبًا ثم جمعوه على هذا" (5).
"وتقول: أرض قفر ودار قفر، وأرض قفار ودار قفار، تجمع على سعتها لتوهم المواضع كل موضع على حياله قفر" (6).
فهذا إشارة إلى كثرة ما في النطفة من أخلاط على صغرها، ولا تفيد كلمة (مشج) أو (مشيج) هذا المعنى، والله أعلم.
{نَبْتَلِيهِ}
نختبره ونمتحنه، واختار (نبتلي) على (نبلوه) لبيان شدة الاختبار وقوته، فإن في (ابتلى) من الشدة والمبالغة ما ليس في (بلا)، ومعلوم أن (افتعل) فيه من المبالغة وقوة الحدث ما ليس في (فعل) وذلك كاكتسب وكسب واصطبر وصبر. ولو عدت إلى الاستعمال القرآني في (ابتلى) لو جدت ذلك واضحًا، قال تعالى بعد وقعة أحد وما أصابهم فيها: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]. وقال في وقعة الأحزاب: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 – 11].
والله سبحانه يبلو ويبتلي. وقد تقول: ولم قال ههنا: (نبتليه)، وقال في سورة (الملك): {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]؟
والجواب: أن كل تعبير مناسب لموطنه، فقد ذكرنا أن (الابتلاء) أشد من البلاء، ولذا ذكر معه مما يصح معه الابتلاء ما لم يذكره في سورة الملك؛
1- فقد قال في سورة الملك: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} والمغفرة تقتضي التخفيف، بخلاف ما في سورة الإنسان.
2- ذكر في سورة الإنسان ما يصح معه الابتلاء من سمع وبصر وأنه هداه السبيل، فلما أطال في ذكر ما زوده بما يصح معه الابتلاء أطال وبالغ في البلاء، ولما خفف ولم يذكر ذلك في سورة الملك خفف في الفعل.
3- لم يذكر شيئًا من ابتلاء الأعمال في سورة الملك عدا ذكر الكافرين وذكر الذين يخشون ربهم فقال: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، وقال في وصف المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} ولم يذكر شيئًا من أعمال هؤلاء وأولئك، في حين ذكر في سورة الإنسان من أعمال هؤلاء وهؤلاء ما لم يذكره في سورة الملك، فذكر أن المؤمنين يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا، وأنهم يطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا.
وطلب من نبيه أن يصبر لحكم ربه وأن لا يطيع آثمًا أو كفورًا، كما طلب منه أن يذكر ربه بكرة وأصيلاً، وأن يسجد له ويسبحه ليلًا طويلاً، وأفاض في ذكر نعيم المؤمنين ما لم يفض في سورة الملك.
وكذلك بالنسبة إلى الكافرين، فقد ذكر أنهم {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا}. وقال في ختام السورة: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، فاقتضى ذلك أن يذكر الابتلاء ويطيل في صيغة الفعل ويبالغ فيه، بخلاف سورة الملك.
وقوله: (نبتليه) يحتمل معنيين:
المعنى الأول: التعليل، أي خلقناه لنبتليه، وهو مثل قولك: جئت أتعلم منك، أي لأتعلم، وجئت أشتري دارًا، أي لأشتري، وهذه الجملة استئنافية تفيد التعليل.
والمعنى الثاني: أن يكون حالًا مقدرة عن الفاعل، بمعنى: خلقناه مبتلين له، أي مريدين ابتلاءه، ومعنى الحال المقدرة أن تكون الحال واقعة في المستقبل، كقوله تعالى: {} فهو لم يكن نبيًّا حين التبشير. وقد يكون حالاً من المفعول، أي خلقناه مبتلى.
ولم يذكر لام التعليل كما في سورة (الملك) التي قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} وذلك ليجمع معنيي التعليل والحالية.
وقد تقول: ولِمَ لَمْ يفعل ذلك في سورة الملك ليجمع بينهما؟
والجواب: أن التعبير لا يحتمل ذلك، فقد قال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} فإنه ذكر علة خلق الموت والحياة لا علة خلق الإنسان، فلا يحسن أن يقول: (الذي خلق الموت والحياة يبلوكم) فناسب كل تعبير موضعه.
وقد تأتي الحال مفيدة للتعليل، كقولك: (جئت طالبًا للعلم) أي لطلب العلم، و(عبدت الله طامعًا في جنته) أي طمعًا، و(فعلت ذلك مبتغيًا رضوان الله) أي ابتغاء رضوان الله.
وعلى هذا يمكن أن تكون جملة (نبتليه) استئنافية تفيد التعليل، أو حالية مفيدة للتعليل، أو حالًا مقدرة من الفاعل وهو الله، أي مستقبلة بمعنى مبتلين له، أو حالًا من المفعول وهو الإنسان (7) أي مبتلى.
جاء في (التفسير الكبير): "أما قوله (نبتليه) ففيه مسائل:
(المسألة الأولى) نبتليه معناه لنبتليه، وهو كقول الرجل: (جئتك أقضي حقك) أي لأقضي حقك، و(أتيتك أستمنحك) أي لا ستمنحك، كذا قوله: (نبتليه) أي لنبتليه. ونظيره قوله: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6].
(المسألة الثانية): نبتليه في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين له، يعني مريدين ابتلاءه" (8).
وجاء في (البحر المحيط): {نَبْتَلِيهِ} نختبره بالتكليف في الدنيا ... وعلى أن المعنى: نختبره بالتكليف، فهي في حالة مقدرة، لأنه تعالى حين خلقه من نطفة لم يكن مبتليًا له بالتكليف في ذلك الوقت" (9).
وجاء في (الكشاف): {نَبْتَلِيهِ} في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين له، بمعنى: مريدين ابتلاءه، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، تريد: قاصدًا به الصيد غدًا" (10).
وقد ذكر الله ههنا ما يصح معه الابتلاء ومستلزماته ومتعلقاته، فقد ذكر السمع والبصر والعقل، قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ومعنى {هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أرشدناه وعلمناه، وهذا يقتضي العقل وذكر الاختيار، ويشير إلى ذلك قوله: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. وذكر مادة الاختبار وهو المنهج الرباني الذي أشار إليه بقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}، وهذه الأمور لا يصح الابتلاء من دونها.
ثم ذكر موقف المكلفين من هذا الاختبار أو الابتلاء، فذكر أنهم قسمان: شاكر وكفور، وذكر عاقبة هذا الاختبار أو الابتلاء وهي الجنة أو السعير، فذكر كل ما يتعلق بالاختبار من أركان وأحوال، فذكر المبتلى أو المختبر وهو الله وذلك قوله: (نبتليه)، وذكر المبتلى وهو (الإنسان)، وذكر موضوع الاختبار وهو قوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} وموقف المبتلى منه وعاقبته.
جاء في (التفسير الكبير): "ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر فقال: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز، كما قال تعالى حاكيًا عن إبراهيم عليه السلام: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} [مريم: 42]" (11).
{فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}
قَدَّم السمع على البصر، وهو الشأن في آيات القرآن التي اجتمع فيها السمع والبصر غالبًا، ذلك أن السمع أهم في باب الابتلاء والتكليف من البصر، فإن فاقد البصر يمكن أن يعي ويفهم ويبلغ، بخلاف فاقد السمع فإن من العسير تبليغه وإفهامه.
وقدمهما على الهداية فقال بعد هذه الآية: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} لأن السمع والبصر طريقان يوصلان المعلومات إلى العقل، ومن دونهما يعسر على العقل فهم المعلومات واستيعابها.
جاء في (التفسير الكبير): "الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل، والأمر كذلك" (12).
وجاء في (البحر المحيط): "وامتن تعالى عليه بجعله بهاتين الصفتين وهما كناية عن التمييز والفهم، إذ آلتهما سبب ذلك ... ولمَّا جعله بهذه المثابة أخبره تعالى أنه هداه إلى السبيل، أي أرشده إلى الطريق، وعرفنا مآل طريق النجاة ومآل طريق الهلاك، إذ أرشدناه طريق الهدى" (13).
ولم يفصل بين هاتين الصفتين بالواو، فلم يقل: (وجعلناه سميعًا وبصيرًا) لئلا يظن أنه جعل الإنسان قسمين قسمًا يسمع وقسمًا يبصر.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 210 إلى ص 216.
(1) انظر الكشاف 3/295، البحر المحيط 8/293.
(2) انظر التفسير الكبير 30/235.
(3) انظر الكشاف 3/295، البحر المحيط 8/391، التفسير الكبير 30/236.
(4) انظر الكشاف 3/295.
(5) لسان العرب (سبسب) 1/243.
(6) لسان العرب (قفر) 6/422.
(7) انظر فتح القدير 5/235.
(8) التفسير الكبير 30/237.
(9) البحر المحيط 8/394.
(10) الكشاف 3/295.
(11) التفسير الكبير 30/237.
(12) التفسير الكبير 30/237.
(13) البحر المحيط 8/394.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٢ |
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) }
قال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} كما قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} فأكد الهداية بإنَّ كما أكد الخلق، لأن الهداية أمر مهم، وهي الغاية من خلق الإنسان، فهي لا تقل عن الخلق أهمية، بل ربما فاقته لأنها العلة الأولى للخلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ولذلك كما قال: {إِنَّا خَلَقْنَا}، فنسب الخلق إلى نفسه بصيغة التعظيم وأكده بإن قال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ} فنسبه إلى نفسه بصيغة التعظيم وأكده بإن.
ثم إن الهداية وهي تبيان المنهج الصحيح والصراط المستقيم أمر صعب لا يستطيعهما أحد غير الله، وقد ضل الناس فيها ضلالاً بعيدًا وتفرقوا شيعًا وأحزابًا وجماعات، فأسند ذلك إليه، فهو الخالق وهو الهادي، فهو مولي جميع النعم.
فمعنى {هَدَيْنَاهُ}: "بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله جل وعلا: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: ۱۷]" (1).
وقال: {هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} فعدى الفعل بنفسه إلى السبيل ولم يعده بإلى؛ وذلك لأن التعدية بإلى تقال لمن لم يكن في السبيل، والتعدية المباشرة تقال لمن كان فيه ولمن لم يكن فيه (2). فجمع في ذلك نوعي الهداية؛ الإيصال إلى السبيل وتعريفه به، فاستحق ربنا الشكر من كل ناحية.
{إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}
جاء بـ (شاكر) على صيغة اسم الفاعل، و(كفور) على المبالغة؛ ذلك أن الإنسان يبالغ في الكفر دون الشكر.
ولم يقل: (وإما شكورًا وإما كفورًا) ذلك أن الشكور من العباد قليل، قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] ولو قال ذلك لأخرج الشاكرين. جاء في (البحر المحيط): "ولما كان الشكر قَلَّ من يتصف به قال: (شاكرًا)، ولما كان الكفر كثر من يتصف به ويكثر وقوعه من الإنسان، بخلاف الشكر، جاء (كفورًا) بصيغة المبالغة، ولما ذكر الفريقين أتبعهما الوعيد والوعد" (3).
وجاء في (تفسير البيضاوي): "ولعله لم يقل: (كافرًا) ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل وإشعارًا بأن الإنسان لا يخلو من كفران غالبًا، وإنما المؤاخذ به التوغل فيه" (4).
ثم إنه لم يقل: (كافرًا) لأمر آخر، ذلك أن القرآن لم يستعمل كلمة (كافر) بمقابل (شاكر)، وإنما يستعملها بمقابل (مؤمن)، قال تعالى: {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن : ٢].
بخلاف كلمة (كفور) فإنه يستعملها لما يقابل المؤمن ولما يقابل الشكور، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} [الزخرف: 15]، وقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36].
فههنا استعملها بما يقابل المؤمن، ذلك أن الذي يجعل الله من عباده جزءًا هو كافر غير مؤمن. وكذلك آية فاطر، فإنه واضح أن المقصود بالمذكورين فيها هم كفار وليسوا مؤمنين.
وفي سورة الإنسان استعملها لما يقابل الشاكر فقال: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}.
وقال: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27].
فالكفور هنا مبالغة من كفران النعم وهو ما يقابل الشكور، يدلك على ذلك اللام في (لربه) أي لنعم ربه، ولو كان يقصد بالكفور ما يقابل المؤمن لقال: (وكان الشيطان بربه كفورًا) فإن الكفر الذي هو نقيض الإيمان يعدى بالباء، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 150]، وقال: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30]، وقال: {وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} [الروم: 13]، وقال: {وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 30].
وقد تقول: ولكننا لا نقول: (هو يكفر الله).
فأقول: إذا كان الكفر بمعنى كفران النعم فإنا نقول: (هو يكفر الله) بتعدية الفعل بنفسه، قال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة : 152]، فإن جاء منه اسم الفاعل أو المبالغة صح أن يقوى باللام كقوله تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج : 16]، وقوله: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [البقرة : 97]، ونحو قوله: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27].
جاء في (روح المعاني) في هذه الآية: "أي مبالغًا في كفران نعمه تعالى ... وفي تخصيص هذا الوصف بالذكر من بين صفاته القبيحة،
إيذان بأن التبذير الذي هو عبارة عن صرف نعم الله تعالى إلى غير مصرفها من باب الكفران المقابل للشكر ...
ويُشْعِر كلام بعضهم بجواز حمل الكفر هنا على ما يقابل الإيمان، وليس بذاك" (5)
فاستعمل في آية الإنسان الكفور لما يقابل الشاكر ولم يستعمل الكافر. واختار الشكر ههنا على الإيمان فلم يقل: (إما مؤمنًا وإما كفورًا)، ذلك لأن نعمة الخلق والهداية تستدعي الشكر لا مجرد الإيمان، وهو نظير قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23].
كما ناسب ذلك قوله تعالى في السورة: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}، وقوله: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا}.
وهناك أمر آخر حسن اختيار الشكر، وهو أنه قال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} فاستعمل كلمة (السبيل)، وذلك أن السبيل هو الطريق المسلوك الواضح السهل. جاء في (لسان العرب): "السبيل: الطريق وما وضح منه ... وسبيل سابلة: مسلوكة ... وأسبلت الطريق: كثرت سابلتها" (6).
قال تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20] ولم يقل كما قال في سورة البلد: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] والنجد: هو الأرض المرتفعة التي يشق سلوكها. ولا شك أن الهداية إلى السبيل الواضحة الميسرة أدعى إلى الشكر، ولذا قال في سورة البلد: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}، وقال هنا: {إِمَّا شَاكِرًا}.
وقد تقول: ولم قدّم الشاكر على الكفور، في حين قدّم عذاب الكافرين على ثواب المطيعين؟
والجواب: أنه أفاض في جزاء الشاكرين، في حين اختصر عقاب الكافرين وأوجز فيه فناسب التقديم.
جاء في (تفسير البيضاوي): "وتقديم وعيدهم وقد تأخر ذكرهم؛ لأن الإنذار أهم وأنفع، وتصدير الكلام به وختمه بذكر المؤمنين أحسن" (7).
كما أن هذا التقديم في أول السورة نظير التقديم في آخرها في قوله: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} فقد قدم من رحمته ومنهم الشاكرون، وذكر بعدهم الظالمين ومنهم الكفور.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 217 إلى ص 221.
(1) تفسير ابن كثير 4/453.
(2) انظر روح المعاني 1/91، وانظر في كتابنا (لمسات بيانية) سورة الفاتحة.
(3) البحر المحيط 8/394.
(4) تفسير البيضاوي 774، وانظر روح المعاني 29/153.
(5) روح المعاني 15/63.
(6) لسان العرب (سبل) 13/340 – 341.
(7) أنوار التنزيل 744، وانظر روح المعاني 29/153.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٣ |
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4)}
أكد الإعتاد بإن؛ ذلك لأنه عاقبة ما تقدمه من الهداية، والهداية مؤكدة، فالعاقبة مؤكدة أيضًا.
وقد تقول: ولم قال: (أعتدنا) ولم يقل: (أعددنا)؟ وما الفرق بين الإعتاد والإعداد؟
والجواب: أن (أعتد) قريب من (أعد) في المعنى، غير أن في (أعتد) قربًا وحضورًا، ولا يشترط في (أعد) الحضور. قال تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23] أي حاضر عندي قريب، وقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] أي هيئوا، وليس معناه أحضروا، وقال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] أي هيأوا، ولم يقل (أعتدوا) لأنه لا يريد الإحضار. جاء في (لسان العرب): "وشيء عتيد: مُعَدّ حاضر، وعتد الشيءُ عتادة فهو عتيد حاضر" (1).
وجاء في (التفسير الكبير): "الإعتاد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيدًا حاضرًا متى احتيج إليه كقوله تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}" (2).
ويدلك على ذلك الاستعمال القرآني، قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء : 18] فقال: (أعتدنا) لما كان هؤلاء من الموتى وهم كفار أو حضر أحدهم الموت وقد قرب العذاب منهم وأحضر فاستعمل (أعتدنا).
في حين قال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].
فقال: (أعدّ) وذلك لأن هؤلاء لا يزالون يتقلبون في حياتهم الدنيا .
وقال: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان : 37].
فإنه لما ذكر أنه أغرقهم وجعلهم آية قال: (أعتدنا) لأن عذابهم حاضر وهم ذائقوه.
أما الجواب عن الاستعمال في هذه الآية فإنه لما ذكر جزاء أهل الجنة بصيغة الوقوع لا بصيغة أنه سيقع، وأن ما عندهم مُعَدّ حاضر، ناسب أن يقول في أهل النار كذلك. فقد ذكر أن الأبرار يشربون من كأس، وذكر أنه وقاهم شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا، فقد ذكر شأنهم وأحوالهم بالأفعال الماضية، فناسب أن يقول في أهل النار: (أعتدنا) للحضور والقرب.
بخلاف ما ورد في آخر السورة، فإنه لما ذكر أنه تعالى يدخل من يشاء في رحمته على الاستقبال ناسب أن يقول: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ} (أعتد).
وهناك ملاحظة أخرى، وهي أنه لم يرد في القرآن استعمال (أعدّ) مسندًا إلى الضمير (نا)، فإنه لم يقل: (أعددنا)، كما لم يرد (أعتد) مسندًا إلى الله تعالى إلا بضمير التعظيم، أي (أعتدنا).
فإنه ورد (أعتدنا) والضمير يعود على الله، ولم يرد (أعددنا)، فكان هذا هو المناسب لما ورد في الاستعمال القرآني على العموم.
ثم إنه قال: {أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} جمع الكافر، ولم يقل: (أعتدنا للكفر) جمع الكفور، وكان المظنون أنه لما قال: {وَإِمَّا كَفُورًا} أن يجمعه فيقول: (إنا أعتدنا للكفر) فما سبب ذلك؟
والجواب: أنه ذكر (الكافرين) ليشمل من بالغ في الكفر ومن لم يبالغ فيه. ولو قال: (للكُفًر) لظن ظان أن ذلك يتناول المبالغ في الكفر دون من لم يبالغ، ولظن أن هذا خاص بالكفور دون الكافر، فلما ذكر عاقبة الكافر شمل ذلك الكفور من باب أولى، وأنه سيلقى من العذاب أكبر مما ذكر، فإنه كما بالغ في الكفر يبالغ له في العذاب، فإذا كان هذا عذاب الكافر فما بالك بعذاب الكفور، وماذا أعتد له يا ترى؟
وقد ذكر العذاب بقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} فذكر السلاسل والأغلال والسعير، وذلك أنه لما أطلق له الحرية والاختيار في الدنيا فقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} وهداه السبيل ليسلك فيها فلم يسلكها قيده في الآخرة ولم يتركه لمشيئته واختياره كما كان في الدنيا.
لقد قيده بالسلاسل وهي تقيد حركة الأرجل، وبالأغلال وهي تقيد حركة الأيدي والأعناق، قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} [يس: 8]، وقال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: ٦٤] فالأغلال توضع في الأيدي وفي الأعناق، وبذلك قيد حركته على كل حال، فلم يترك له فرصة أو حالًا للحركة والاختيار بمقابل حريته واختياره في الدنيا.
إن هذا ما اختاره هو والسبيل التي آثرها، والله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 221 إلى ص 224.
(1) لسان العرب (عتد) 4/269.
(2) التفسير الكبير 30/240.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٤ |
{إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)}
يستعمل القرآن (الأبرار) لبني آدم، ويستعمل البررة للملائكة. ولم يستعمل الأبرار للملائكة ولا البررة ل لأناسي، قال تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 15 – 16] يعني الملائكة. إن (الأبرار) من جموع القلة فاستعملها للقلة النسبية، ذلك أن الأبرار قلة من بني آدم، وأما الملائكة فكلهم بررة فاستعمل لهم جمع الكثرة.
جاء في (معاني الأبنية): "وقد يؤتى بجمع القلة للدلالة على قلة نسبية لا حقيقية، بمعنى أنه إذا قيس المعدود بمقابله كان قليلًا، فيستعمل للأكثر جمع الكثرة، ولما هو دونه في الكثرة جمع القلة وإن كان كثيرًا في ذاته، فمن ذلك استعمال الأبرار والبررة.
فقد وردت (الأبرار) في ستة مواطن من كتاب الله وهي كلها في المؤمنين، وهم ولا شك يزيدون على العشرة، قال تعالى: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193]، وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} [الإنسان: 5]،
وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13 – 14]، وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 22 – 23]، وقال: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [ آل عمران: 198]، وقال: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18].
ولم يرد لفظ (البررة) إلا في موطن واحد وهو في صفة الملائكة وهو قوله تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 15 – 16] ولعل ذلك يعود إلى أن الأبرار إذا قيسوا بالفجار كانوا قلة، فجيء بالفجار على جمع الكثرة، والأبرار على جمع القلة، وهذا المعنى يذكره القرآن في أكثر من موطن،
من ذلك قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقوله : {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}[يوسف: 103]، وقوله: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] فجيء بالجمع للدلالة على الكثرة؛ لأنهم كلهم كذلك، بخلاف البشر" (1).
{يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ}
الكأس: هي الزجاجة إذا كان فيها شراب، فإن كانت فارغة فلا تسمى كأسًا، وإنما هي زجاجة (2).
ذكر في الآية صنفين من المؤمنين:
الأبرار، وذكر أنهم يشربون من كأس ممتزجة بالكافور، وذكر صنفًا آخر أسماه (عباد الله) قيل: وهم المقربون، وذكر أنهم يشربون من العين خالصة غير ممتزجة. جاء في (تفسير ابن كثير): "أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفًا بلا مزج ويروون بها، ولهذا ضمن (يشرب) معنى (يروي) حتى عداه بالباء، ونصب عينًا على التمييز" (3).
ومن الملاحظ أنه قال في الأبرار: {يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ}، وقال في المقربين: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} فعدّى الفعل (يشرب) مع الأبرار بمن وعداه مع المقربين بالباء، وذلك ليفرق بين جزاء الأبرار وجزاء المقربين، وليخبرنا أن جزاء المقربين أعلى، وذلك من عدة نواح منها:
1- أنه ذكر أن الأبرار يشربون من الكأس، وأما المقربون فإنهم يشربون من العين، فهم ينزلون بالعين ويشربون منها، فهم يتلذذون بالشرب وبالمكان. جاء في (معاني النحو):
"وفيها معنى آخر، وهو أن الباء تفيد الإلصاق، فقولك: (يشربون بالعين) معناه أنهم يكونون بها، كما تقول: (أقمنا بالعين وأكلنا وشربنا بها) أي هم قريبون من العين يشربون منها. بخلاف قولك: (يشربون منها) فإنه ليس فيه نص على معنى القرب من العين، فقولك: (أكلت من تفاح بستانك) لا يدل دلالة قاطعة على أنك كنت بالبستان، بل ربما حُمل
إليك.
فقوله: {يَشْرَبُ بِهَا} يدل على أنهم نازلون بالعين يشربون منها، فهو يدل على القرب والشرب، فالتمتع حاصل بلذتي النظر والشراب، بخلاف الأولى.
جاء في (البرهان) أن "العين ههنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء نفسه نحو (نزلت بعين) فصار كقوله: مكانًا يشرب به" (4).
2- إن الأبرار يشربون من كأس ممزوجة على قدر أعمالهم، أما المقربون فيشربون من العين خالصة صرفًا.
3- إن الفعل المتعدي بالباء ضمن معنى (يروي)، فمعنى {يَشْرَبُ بِهَا}: يروى بها.
جاء في (معاني القرآن) للفراء: "وكأن {يَشْرَبُ بِهَا}: يروى بها وينقع" (5).
4- وذكر أن المقربين يفجرونها تفجيرًا، أي إنهم يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم، وذلك أن يثقبوها بقضبان معهم من ذهب فيتفجر بها الماء إلى حيث أرادوا، فهي تجري عند كل واحد منهم حيث أراد من منزله.
وذكر المصدر (تفجيرًا) ليدل على أن تفجيرها لا يمتنع عليهم (6)، وأنها تتفجر بالماء الغزير.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 224 إلى ص 227.
(1) معاني الأبنية في العربية 137 – 138.
(2) انظر فقه اللغة للثعالبي 50.
(3) تفسير ابن كثير 4/454.
(4) معاني النحو 3/28، وانظر البرهان 3/338 – 339.
(5) معاني القرآن 3/215، وانظر البحر المحيط 8/395.
(6) انظر الكشاف 3/296، البحر المحيط 8/395، روح المعاني 29/155.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٥ |
{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}
بدأ بالوفاء بالنذر لأنه واجب، وذكروا للنذر ههنا معنيين:
الأول: هو النذر المعهود مما أوجبه العبد على نفسه، وهو الأظهر.
والثاني: أن المراد بالنذر "ههنا عام لما أوجبه الله تعالى وما أوجبه العبد، فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات" (1).
جاء في (الكشاف): "والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات؛ لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى" (2).
وذكر بعده خوف اليوم الآخر، فكأنه ذكر النية المقارنة للعمل، والعمل لا يقبل إلا إذا كان مقرونًا بالنية.
جاء في (التفسير الكبير): "واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل. فلما حكى عنهم العمل وهو قوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} حكى عنهم النية وهو بقوله: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا} وتحقيقه قوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) وبمجموع هذين الأمرين سماهم الله تعالى بالأبرار" (3).
ومعنى (مستطيرًا): "فاشيًا منتشرًا بالغًا أقصى المبالغ، من استطار الحريق، واستطار الفجر، وهو من طار، بمنزلة استنفر من نفر" (4).
قال قتادة "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض" (5).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 227 إلى ص 228.
(1) البحر المحيط 8/395.
(2) الكشاف 3/297.
(3) التفسير الكبير 30/242.
(4) الكشاف 3/297.
(5) تفسير ابن كثير 4/454.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٦ |
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)}
{عَلَى حُبِّهِ} الأظهر أن الضمير في (حبّه) يعود على الطعام، أي أنهم يطعمون الطعام مع اشتهائه والحاجة إليه، نظير قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] (1).
وقيل: المعنى على حب الإطعام، بأن يكون ذلك بطيب نفس وعدم تكلف (2)، فالضمير يعود على مصدر (يطعمون) وهو الإطعام.
وقيل: إن الضمير يعود على الله، والمعنى: أنهم يطعمون الطعام على حب الله، أي لوجهه وابتغاء مرضاته (2). وهذا المعنى مذكور فيما بعد في قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}.
وقيل: إن المعنى الأول، أي (على حب الطعام) أمدح "لأن فيه الإيثار على النفس، وأما الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر" (3).
وأعلاها أن يكون لكل ذلك، فهم يطعمون الطعام مع حاجتهم إليه واشتهائه فيكون ذلك من باب الإيثار، ويفعلونه بطيب نفس من غير تكدير ولا منة فيكون من باب الإحسان، مبتغين بذلك وجه الله تعالى ورضاه خالصًا عملهم له، فيكون من باب الإخلاص، فيجتمع بذلك الإيثار والإحسان والإخلاص.
ثم إنه قال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} فذكر الطعام، ولم يقل: (ويطعمون على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا)؛ وذلك لأنه أراد أن يعود الضمير عليه، ولو لم يذكر الطعام لم يعد الضمير على مذكور، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه لو لم يذكر الطعام لانتفى المعنى الأول، وهو أولى المعاني وأظهرها وأهمها، والذي به ينال البر ولا ينال البر إلا به، كما قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.
فذكر الطعام أفاد ثلاثة معان وهي المعاني التي ذكرناها، ولو حذفه لأفاد معنيين:
الأول: أن يكون المعنى (على حب الله) وهو الأظهر، وهو ما أفادته الآية بعدها.
والآخر: أن يكون المعنى (على حب الطعام) وهو ما يقدر من الفعل (يطعمون) فكان ذكره أولى على كل حال.
جاء في (روح المعاني): "وذكر الطعام مع أن الإطعام يغني عنه لتعيين مرجع الضمير على الأول، ولأن الطعام كالعلم فيما فيه قوام البدن واستقامة البنية وبقاء النفس، ففي التصريح به تأكيد لفخامة فعلهم على الأخيرين" (4).
ثم إنه قدم المسكين على اليتيم، واليتيم على الأسير.
قدم المسكين على اليتيم؛ لأن المسكين محتاج على الدوام، وإطعامه قد يكون على الوجوب وقد يكون على التطوع، فهو من الأصناف المذكورين في مصارف الزكاة.
أما اليتيم فقد لا يكون محتاجًا، وقد يكون غنيًّا، بخلاف المسكين، ولذا لم يدخل فيمن تصرف إليهم الزكاة.
أما الأسير فإنه قد يكون كافرًا.
فكان التقديم بحسب الرتبة، فقدم المسكين على اليتيم، واليتيم على الأسير.
والمسكين واليتيم قد يكون إعطاؤهما من باب الواجب، بخلاف الأسير فإنه يدخل في باب التطوع، "وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام، ولا تصرف إليهم الواجبات" (5).
وبهذا يكون قد بدأ بالواجب وهو الفاء بالنذر، ثم بدأ بما هو أولى وهو المسكين وهو صاحب الحاجة الدائمة، وقد أدخله الله فيمن تجب لهم الزكاة، ثم اليتيم وهو قد يكون غير محتاج ويكون مكفولًا حتى يزول يتمه، ثم الأسير الذي لا تصرف إليه الواجبات من قبل الأفراد.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التقديم جرى بحسب الكثرة.
فإن المساكين أكثر من اليتامى، لأن اليتم يزول حتمًا بالبلوغ فلا يسمى بعد ذلك يتيمًا، بخلاف المسكين فإنه يكون صغيرًا أو كبيرًا، واليتامى أكثر من الأسرى؛ لأن الأسرى إنما يكونون من أوزار الحرب، وأما اليتامى فهم موجودون في كل وقت وعلى أية حال، فكان التقديم بحسب الكثرة.
ثم إن التقديم أيضًا مرتب بحسب القدرة على التصرف. فالمسكين له الأهلية الكاملة على التصرف، وأما اليتيم فأهليته ناقصة حتى يزول يتمه، وأما الأسير فهو أقل تصرفًا لأنه كالمحجور عليه، فليس له أن يتصرف في ذهابه وإيابه وعمله حتى يتخير فيه الإمام؛ فالآية مرتبة بحسب القدرة على التصرف.
وذكر الأسرى هنا مناسب لذكر السلاسل والأغلال مع الكافرين؛ لأن الأسير مقيد مغلول.
ومن الملاحظ أنه قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ} ولم يقل: (يتصدقون) لئلا يخص ذلك الصدقات أو يخص من تجب عليهم الصدقة أو لهم، وإنما أراد فعل الخير عمومًا سواء كان صدقة أم إكرامًا، وسواء كان الفاعل غنيًّا أم فقيرًا، ممن تجب عليهم الصدقة أو لا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 228 إلى ص 231.
(1) الكشاف 3/296.
(2) روح المعاني 29/155.
(3) البحر المحيط 8/395، الكشاف 3/296، أنوار التنزيل 774.
(4) البحر المحيط 8/395.
(5) روح المعاني 29/155.
(6) روح المعاني 29/155.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٧ |
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)}
ذكر أمرين في إطعامهم الطعام: أنهم يطعمون الطعام وهم محتاجون إليه وذلك قوله: {عَلَى حُبِّهِ}، وأنهم مخلصون لله في إطعامهم وذلك قوله: {لِوَجْهِ اللَّهِ} وهذا أعلى أنواع الإطعام.
وقال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} ولم يقل: (نحن نطعمكم لوجه الله) وذلك لإرادة تخصيص الإطعام بذلك، وأنهم لا يطعمون إلا لوجهه تعالى غير مبتغين شيئًا آخر. وهذا أعلى أنواع الإخلاص، فإنه ليس فيه شائبة شرك أو رباء.
ولو قال (نحن نطعمكم لوجه الله) من دون (إنما) لأفاد أنهم يطعمون لوجه الله ولا ينفون الإطعام لغيره. أما في الآية فإنه أفاد الحصر، أي أنهم لا يفعلون ذلك إلا له سبحانه. وهذا يفيد أن الأعمال كلها ينبغي أن يبتغي بها وجه الله حصرًا لا لشيء آخر.
وقد تقول: وإن قولك: (نحن نطعمكم لوجه الله) يفيد الحصر أيضًا؟
فنقول: نعم إنه يفيد الحصر ولكنه حصر بالفاعل، أي نحن لا غيرنا نطعمكم لوجه الله، فكأنه تعريض بآخرين، وهذا المعنى غير مطلوب ولا يصح أيضًا، فإن هناك غيرهم من يطعم لوجه الله. في حين قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} إنما هو تخصيص الفعل بأنه لوجه الله لا تخصيص أنهم المطعمون دون غيرهم، فكان ما ذكره أولى.
{لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}
أي لا نريد منكم مكافأة على إطعامنا بالعمل، ولا شكرًا باللسان، فإن الجزاء هو المكافأة بالعمل، والشكر هو الثناء باللسان، فهم لا يريدون منهم أن يكافئوهم ولا يشكروهم.
وهذا تقرير لقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} فالذي يبتغي وجه الله وحده لا يريد شيئًا آخر.
جاء في (فتح القدير): أن قوله: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} تقرير وتأكيد لما قبله "لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه" (1).
ولم يقل: (يقولون أو قالوا إنما نطعمكم لوجه الله) وإنما حذف فعل القول، وذلك ليشمل القول بلسان الحال وبلسان المقال، فسواء قالوا بذلك بلسانهم أو حكى الله عما في نفوسهم فكل ذلك خير وأجره عظيم.
جاء في (الكشاف): {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} على إرادة القول. ويجوز أن يكون قولًا باللسان منعًا لهم عن المجازاة بمثله أو بالشكر؛ لأن إحسانهم مفعول لوجه الله، فلا معنى لمكافأة الخلق، وأن يكون قولهم لهم لطفًا وتفقيهًا وتنبيهًا على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله ... ويجوز أن يكون ذلك بيانًا وكشفًا عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئًا.
وعن مجاهد: أما إنهم ما تكلموا به ولكن علم الله منهم فأثنى عليهم" (2).
وجاء في (البحر المحيط): "لا نريد منكم جزاءً، أي بالأفعال، ولا شكورًا، أي ثناء بالأقوال" (3).
وقال: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} ولم يقل: (لا نريد جزاء ولا شكورًا) وذلك لأنهم يريدون الجزاء والشكور من رب العالمين، فهم لم ينفوا إرادة الجزاء والشكور، وإنما أرادوه ممن يطعمون لوجهه لا منهم، ولو لم يذكر (منكم) لنفى الإرادة على وجه الإطلاق، وهو ليس بمراد ولا ينبغي أن يراد.
وقدم الجزاء على الشكور؛ لأن الجزاء بالفعل أهم من الشكر باللسان. والناس يعملون في هذه الحياة لأجل الجزاء، سواء تبعه شكر أم لا، والشكور ثناء اللسان ولا يعد جزاء على العمل.
وجاء بـ (لا) مع الشكور فقال: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} ولم يقل: (جزاء وشكورًا) ليفهم أنهم لا يريدون أي واحد من هذين، سواء كانا على وجه الاجتماع أم الافتراق، ولو قال: (لا نريد منكم جزاءً وشكورًا) لربما أفهم أنهم لا يريدونهما مجتمعين، ولو اكتفوا بواحد منهما لدخل في الإرادة.
وقال: {لَا نُرِيدُ} ولم يقل: (لا نطلب) لأن الإنسان قد يريد ولا يطلب، فنفي الإرادة أبلغ من نفي الطلب، لأنه ينفي الطلب وزيادة.
وقال: (شكورًا) ولم يقل: (شكرًا) ذلك أن (الشكور) يحتمل الجمع والإفراد، والجمع يدل على الكثرة والتعدد فقال: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} أي لا نريد الشكر وإن كان كثيرًا متطاولًا، فقد يكون الشكر عن الفعل مرة واحدة، وقد يكثر ويعاد، ولا شك أن كثرة الشكر أدل على الاعتراف بالفضل والإحسان. ثم إن الإطعام قد يتكرر فيتكرر الشكر عن كل مرة فقال: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} أي وإن كثر إطعامنا لكم وتكرر، فهذا أدل على الإخلاص. وإن كان الشكور مصدرًا فهو بزنة الجمع، وربما كانت زيادة المبنى دالة على زيادة المعنى ههنا وإن لم يكن ذلك مطردًّا.
وقد يكون أتى بذلك ليتسع المعنى فيجمع بين الجمع والجنس، فالمصدر يدل على الجنس كله والجمع يدل على مجموع الأفراد، فنفوا إرادة الشكر على كل حال سواء كان على حال الجمع أم الجنس أم الأفراد، وذلك أعم وأشمل.
هذا علاوة على موافقة هذا التعبير لخواتيم الآية.
جاء في (لسان العرب): "وقوله تعالى: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} يحتمل أن يكون مصدرًا مثل (قعد قعودًا)، ويحتمل أن يكون جمعًا مثل: برد وبُرود، وكفر وكفور" (4).
والظاهر – والله أعلم – أن القرآن يستعمل (الشكور) لما هو أكثر من (الشكر)، فقد ورد لفظ (الشكور) مرتين في القرآن الكريم: إحداهما: هذه الآية التي وردت في سورة الإنسان، والأخرى: في قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].
وأما لفظ (الشكر) فقد ورد مرة واحدة، وذلك في سورة سبأ وهو قوله تعالى: {اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].
وبالنظر في هذه الآيات يتبين لنا ما يأتي:
1- إن كلمة (الشكر) استعملها مخاطبًا آل داود، فقال: {اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا} وآل داود قلة بالنسبة إلى عموم المؤمنين.
2- وأما ما في سورة الفرقان فهو يشمل عموم المؤمنين إلى قيام الساعة، وشكرهم في الليل والنهار فقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}.
3- وكذلك ما في سورة الإنسان فإنه ذكر من يُطِعم الطعام على حبه ومن يُطعَم، وهم كثرة متكاثرون إلى قيام الساعة.
فاستعمل (الشكور) لما هو أكثر، ذلك أنه كلما كثر المؤمنون كثر الشكر فزاد في البناء لزيادة القائمين به، واستعمل البناء الأقل لمن هم أقل، فناسب بين البناء وصاحبه، ومثل هذه المناسبة كثير في القرآن الكريم (5).
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال في سورة الفرقان: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} فجاء بالفعل (يذّكر)، وهذا البناء في الاستعمال القرآني يدل على المبالغة في الفعل والإكثار منه لما فيه تضعيفين (6).
فجاء بـ (الشكور) مع الفعل الذي يدل على المبالغة والكثرة في الفعل مما يدل على أنه يفيد المبالغة في الشكر، إذ لا شك أن المبالغ في التذكُّر مبالغ في الشكر أيضًا، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 231 إلى ص 236.
(1) فتح القدير 5/337 – 338، وانظر روح المعاني 29/156.
(2) الكشاف 3/297.
(3) البحر المحيط 8/395، وانظر روح المعاني 29/156.
(4) لسان العرب (شكر) 6/93، وانظر تاج العروس (شكر) 3/312.
(5) انظر كتاب (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) صفحة 52 وما بعدها.
(6) م. ن. ص 53 وما بعدها.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٨ |
{إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)}
جملة مستأنفة تفيد التعليل، وهي تعلل الأمرين المذكورين في الآية قبلها، وهما قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}، وقوله: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. فبالنسبة إلى القول الأول فالمعنى: إنما نطعمكم لوجه الله لأننا نخاف ذلك اليوم، فإن لم نطعمكم خفنا أن يعذبنا الله وألا يقينا شر ذلك اليوم، فهي تعليل للإطعام لوجه الله.
وبالنسبة إلى قوله: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} فالمعنى: أننا لا نريد منكم الجزاء ولا الشكور خوفًا من ربنا أن يعذبنا لطلب المكافأة والشكر على ما قدمنا.
فهذه الآية تعليل للآية قبلها بكل جزئياتها.
وكسر همزة (إن) ليكون الخوف من هذا اليوم عامًا لا مخصصًا بالأمر المذكور. ولو فتح لكان الخوف تعليلًا لما قبلها فقط، أي إنا لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا لأننا نخاف من ربنا.
وفتح الهمزة أيضًا يعني تعلـق المصدر المؤول بأحد الفعلين (نطعمكم) أو (نريد)، والأقرب أن يكون متعلقًا بقوله: (نريد) لئلا يفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، فيكون الخوف من إرادة الجزاء لا من الإطعام، أي لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا لأننا نخاف، فيقتصر المعنى على أمر واحد، فالكسر أولى على كل حال.
جاء في (الكشاف): {إِنَّا نَخَافُ} يحتمل أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم، وإنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة" (1).
ووصف اليوم بالعبوس على المجاز، فكأنه هو عابس حقيقة فأضفى عليه الحياة والشعور، كما يقال: نهارك صائم وليلك قائم، وقوله: (وما ليل المطيّ بنائم)، أو هو على قصد إسناد العبوس لأهل ذلك اليوم، أي عابس أهله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
أو لإرادة الشمول والعموم والمبالغة، أي عابس هو وأهله، فيكون العبوس وصفًا عامًا لليوم ومن فيه، وجاء بالصفة على زنة المبالغة للدلالة على شدة العبوس والاتصاف به اتصافًا بليغًا.
والقمطرير: الشديد العبوس، جاء في (الكشاف): "ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم ... وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. و(القمطرير): الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه" (2).
ومن الملاحظ أنه قال في هذه الآية: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا} فذكر الرب، وقال في الآية السابقة: {لِوَجْهِ اللَّهِ} فذكر (الله)، وذلك ليدل على أن الله هو الرب لا غيره، كما قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فإن قسمًا يشركون بربهم، وقسمًا يرون أن الرب غير الله، كما قال تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] فإن قسمًا من الناس يجعلون مع الله أربابًا فيشركون به كما دلت الآية السابقة، وقسمًا يتخذون من دون الله أربابًا كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] فأراد هنا أن يعلمنا أن الله هو الرب لا رب غيره وليس معه شريك فقال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ .... إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا} فذكر (الله) وذكر أنه ربهم فجمع بين المعنيين.
لقد ذكر في هذه الآيات عبادتين ظاهرتين وهما الوفاء بالنذر والإطعام، وعبادتين قلبيتين وهما الخوف من اليوم الآخر والإخلاص لله، ونفى عنهم إرادة شيئين وهما الجزاء والشكور، وذكر صنفين ممن يطعمون: صنفًا مسالمًا وصنفًا محاربًا وهو الأسير، وصنفين من المسالم وهما المسكين واليتيم وأحدهما بالغ والآخر قاصر.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 236 إلى ص 238.
(1) الكشاف 3/297.
(2) الكشاف 3/297.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٩ |
{فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)}
لما ذكر أنهم يخافون شر ذلك اليوم العبوس ذكر أنه تعالى وقاهم شره، ولقاهم بدل العبوس النضرة، والعبوس إنما يكون في الوجه، وكذلك النضرة، قال تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين: ۲٤] وبدل الخوف السرور.
والخوف محله القلب، وكذلك السرور، فقابل بين العبوس في الوجوه والنضرة فيها، وبين الخوف في القلب والسرور فيه.
وقد تقول: إن مقابل الخوف هو الأمن وليس السرور، فنقول: إن السرور هو الأمن وزيادة، فقد يكون الإنسان آمنًا غير مسرور.
وكذلك النضرة لا تقابل العبوس، وإنما هي زيادة في النعيم بادية على الوجه، فقد يكون الوجه غير عابس ولكنه غير نضر، ونضارة الوجه أدل على التنعم، وكذلك السرور.
جاء في (التفسير الكبير): "اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين: طلب رضا ال له والخوف من القيامة، بيّن في هذه الآية أنه أعطاهم هذين الغرضين. أما الحفظ من هول القيامة فهو المراد بقوله: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ} ... وأما طلب رضاء الله تعالى فأعطاهم بسببه نضرة في الوجه وسرورًا في القلب ... والتنكير في (سرورًا) للتعظيم والتفخيم" (1).
وجاء في (الكشاف): "أي أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورًا في القلب، وهذا يدل على أن اليوم موصوف بعبوس أهله" (2).
وقد تقول: ولم قال في آية سابقة: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} ولم يقل: (يخافون شر يوم كان مستطيرًا)؟ وبعبارة أخرى: لم قال: إنهم يخافون اليوم ولم يقل: يخافون الشر.
في حين قال في هذه الآية: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ} فذكر هناك أنهم خافوا اليوم، وذكر هنا أنه وقاهم شر ذلك اليوم؟
والجواب: أنهم يخافون ذلك اليوم وما فيه من أهوال هائلة ومصاعب شديدة، فإن ذلك اليوم كما قال تعالى - يوم عسير تتقلب فيه القلوب والأبصار، فهم يخافون ذلك اليوم بما فيه من مصاعب وشرور وأهوال، وهو يوم لا مناص لهم من شهوده، فقال: إنه وقاهم شر ذلك اليوم، ولم يقهم مشهد ذلك اليوم الذي يجعل الولدان شيبًا وأحواله وأحداثه، وكل
منها مهول، فحسبهم أن وقاهم شره. وفي هذا إنذار وتخويف عظيمان.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 238 إلى ص 240.
(1) التفسير الكبير 30/245.
(2) الكشاف 3/297، وانظر البحر المحيط 8/396.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٩٠ |
{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)}
قال هنا: (وجزاهم)، وقال في الآية السابقة: (ولقاهم) ؛ لأن ذلك ليس جزاء وإنما هو قبل الجزاء، فال لقاء أولًا، والجزاء بعد، فلقوا أولاً نضرة وسرورًا، وجزاهم بعد اللقاء جنة وحريرًا.
وقوله: {بِمَا صَبَرُوا} يحتمل أن يكون معناه (بصبرهم) فتكون (ما) مصدرية، ويحتمل أن يكون (بالذي صبروا عليه) من الطاعات والإيثار والحاجة.
وحذف العائد ليشمل الاثنين، أي بصبرهم وما صبروا عليه، فيكون من التوسع في المعنى والله أعلم.
ولا أذهب إلى وجوب تماثل حرفي الجر الداخلين على الموصول والعائد ليجوز حذف العائد المجرور بالحرف، وإنما يكفي تعين الحرف وعدم اللبس، لورود ذلك في الفصيح. قال تعالى: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ} [الشورى: 23] أي به، فقد حذف العائد مع حرف الجر ولم يدخل على الموصول مثله، وقال: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} [الفرقان: 60]. أي به (1). وقد اختلف الحرفان.
وقوله : {جَنَّةً وَحَرِيرًا} جمع أمرين : الجنة والحرير.
والجنة في اللغة هي البستان، قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17]، وقال: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا} [الكهف: 33]. ثم أطلقت الجنة على دار السعادة في الآخرة.
والحرير معلوم.
فالجنة للأكل، والحرير للبس، ذلك أنهم أطعموا لوجه الله، فجزاهم بذلك جنة يأكلون منها، وزاد عليه الحرير يلبسون منه تفضلاً منه، ذلك أن الله يجزي الحسنة بخير منها، قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89]. جاء في (الكشاف): "{بِمَا صَبَرُوا} بصبرهم على الإيثار ...
فإن قلت: ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟
قلت: المعنى: وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري بستانًا فيه مأكل هني، وحريرًا فيه ملبس بهي" (2).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 240 إلى ص 241.
(1) انظر شرح الرضي على الكافية 2/42.
(2) الكشاف 3/297، وانظر البحر المحيط 8/396.
الوقفة كاملة
|