{فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا} إنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين، لا جرم أن الله قبل توكلهم، وأجاب دعاءهم، ونجاهم، وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في أرضه، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه، فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} ثنى الخطاب أولاً، ثم جمع، ثم وحد آخراً؛ لأن اختيار مواضع العبادة مما يفوض إلى الأنبياء، ثم جمع لأن اتخاذ المساجد والصلاة فيها واجب على الجمهور، وخص موسى عليه السلام بالبشارة تعظيماً لها وللمبشر بها.
{قال آمنت إنه لا إله إِلاَّ الذى آمنت به بنو إسرائيل وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} كرر فرعون المعنى الواحد ثلاث مرات، في ثلاث عبارات، حرصاً على القبول، ثم لم يقبل منه، حيث أخطأ وقته، وكانت المرة الواحدة تكفي في حالة الاختيار.
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} قطع بهذه الآية على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه، والاعتماد إلا عليه.
{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وضائق به صدرك} لم يقل: ضيّق، ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت؛ لأنه عليه السلام كان أفسح الناس صدراً؛ ولأنه أشكل بـ(تارك).
{قَالَ يَا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح} فيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأن نسيبك في دينك وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمسّ أقاربك رحماً، فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملاً غير صالح مبالغة في ذمه، كقولها:.................... فإنما هي إقبال وإدبار.
أو التقدير: إنه ذو عمل، وفيه إشعار بأنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم، لا لأنهم أهله، وهذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوته عمِل غير صالح.
{ويَا قَوْمِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السماء عليكم مدرارا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ} إنما قصد استمالتهم إلى الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين، فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة البطش والقوة.
{إِنّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّي وَرَبّكُمْ مَّا من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} لما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، ومن كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه، والأخذ بالناصية تمثيل لذلك.