{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} هو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب، وفيه دلالة فضله على سائر الأنبياء عليهم السلام، حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء عليهم السلام.. وفيه دليل جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام؛ لأنه عليه السلام إنما فعل ذلك بالاجتهاد، وإنما عوتب مع أن له ذلك، لتركه الأفضل، وهم يعاتبون على ترك الأفضل.
{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم (وَفِي الرقاب والغارمين وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل)} عدل عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة، للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ لأن (في) للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها، وتكرير (في) في قوله: (في سبيل الله وابن السبيل) فيه: فضل وترجيح لهذين على الرقاب والغارمين، وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم، على أنهم ليسوا منهم، حسماً لأطماعهم، وإشعاراً بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم ومالها، وما سلطهم على التكلم فيها، ولمز قاسمها.
{وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا (هِيَ حَسْبُهُمْ)} فيه دلالة على عظم عذابها، وأنه بحيث لا يزاد عليه.
{فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} إنما قدم (فاستمتعوا بخلاقهم) وقوله: (كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم) مغن عنه؛ ليذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة.
{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} هذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف، مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك {سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ} أي: جنته، وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها