{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} إنما قيل: يعلمون ثَمّ، ويفقهون هنا؛ لأن الدلالة ثمّ أظهر، وهنا أدق؛ لأن إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة، أدق، فكان ذكر الفقه الدال على تدقيق النظر أوفق.
{جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} خص الأكابر وهم الرؤساء؛ لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم.
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً} أي وللأصنام نصيباً.. وفي قوله {مِمَّا ذَرَأَ} إشارة إلى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي؛ لأنه هو الذي ذرأه.
{وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)} إنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك؛ لأن مراعاة الحد من القسط الذى لا زيادة ولا نقصان، مما فيه حرج، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه.
{قال ما منعك ألا تسجد إِذْ أَمَرْتُكَ} فيه دليل على أن الأمر للوجوب، والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به، للتوبيخ، وللإظهار معاندته وكفره وكبره، وافتخاره بأصله، وتحقيره أصل آدم عليه السلام.
{قَالَ أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين} إنما أجيب إلى ذلك: لما فيه من الابتلاء، وفيه تقريب لقلوب الأحباب؛ أي: هذا بري بمن يسبني، فكيف بمن يحبني؟ وإنما جسّره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال، علمُه بحلم ذي الجلال.
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} فيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور وأنه لم يزل مستقبحاً في الطباع والعقول.