﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
من أراد علوَّ بنياته فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به؛ فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه. فالأعمال والدرجات بنيان، وأساسها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه، وإذا تهدَّم شيء من البنيان سهل تداركه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد. فالعارف همَّته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس؛ فلا يلبث بنيانه أن يسقط.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾:
تأملت مليّا في سر بركة المُصنَّفات العلمية التي كُتِب لها القبول والنفع، وسارت بها الركبان، وشُهِد لها بالبنان رغم القرون التي مرت عليها والسنون، فلم أجد -والله أعلم- سببا لذلك إلا الإخلاص لله جل وعز ثم تحري الدقة في الأمانة العلمية، وإلا لِمَ لا نرى بركة بعض المُصنَّفات رغم أصالة موضوعاتها وجدارة من كتبها؟
فهذا السؤال يدفعنا جميعا إلى مراعاة الأمانة العلمية وتحريها؛ تلمسا في بركة العلم؛ لأن بركة العلم في عزوه لأهله؛ وإن كان الله عز وجل عظمها، فتعظيمها في العلم من باب أولى. فمن الغبن العلمي أن يُعمِل الباحث عقله ويكدَّ ذهنه ويسهر ليله؛ ليحرِّر معلومة أو يُصوِّب خطأً أو يصل إلى نتيجة علمية لم يُسبق إليها، ثم تؤخذ بُنيّات أفكاره من أمامه بدمٍ بارد؟! .. ثم يحتج بصنيع الأئمة المتقدمين كالطبري وغيره، فيقال له: إن الأعراف الأكاديمية قد استقرت على أعراف لا تخفى على المتخصصين ومنها العزو والنسبة، والعادات محكمة في العلم كذلك! .. لعمري والله ما فَقِه عِظَم الأمانة وأدب العلم والعلماء من هذا صنيعه، والذي يُعدُّ من الآفات العلمية الخطيرة، ولا يرضى بهذا أحدٌ إلا ممن قل علمه وتعالم أو وكثر جهله وتعالى به، والله المستعان!
﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾:
لما اشتد الأمر على رسول الله (ﷺ) ومن معه قال: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}، أجاب الله جل وعز: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، فينبغي أن يستحضر هذه الآية كل مؤمن ومؤمنة، فإذا كان أشرف خلق الله ضاقت عليه الأرض بما رحبت وصعبت وامتحن، فعندما صابر وثابر انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقة راحة، وأعقب ذلك، انتصاره على أعدائه وشفاء ما في قلبه من الداء .. فثق بربك وتوكل عليه وكفى به ناصرا ومعينا.
(هدايـات للمـرأة):
▪️ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾:
- (مزيدًا من الطاعة) كي تكوني أهلًا للاجتباء يتطلّب منكِ ذلك مزيداً من الطاعة، ومزيداً من الثبات والاستمرارية.
- (في الطاعة نجاة من الهلكة) في خِضَمّ الفتن المظلمة التي أحاطت بالمرأة خاصة؛ لا نجاة لها إلا بالمداومة على الطاعة، والخضوع لله والانكسار الذي يتجلّى في عبادة الصلاة.
▪️ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾:
- (رتّبي حياتكِ مِن محرابكِ) لِتكنْ عبادتكِ لله في كل المواطن .. في محراب الصلاة، ومحراب الحياة، كوني قانتة له في كل أحوالك .. اجعلي يومكِ كلّه عبادة، واحتسبي كل لحظة فيه الله تعالى.
▪️ ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾:
- (كوني مع موكب الطائعين)؛ أعظم المحفزات للمؤمن على العبادة، استشعاره أنه ليس لوحده بل هو في موكب الطائعين .. (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).
▪️ ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾:
- (شكر النعم بالطاعة) منّة الله على عباده تطلب منهم الاستكثار من الطاعة، ولزوم الاستقامة؛ شكرًا على ما أنعم الله به عليهم .. (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي) بعد إخبارها بالاصطفاء والتَّطهير.
قال الله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ • إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ • فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ • الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾:
▪️ (مقصد السورة):
- الامتنان على قريش وما يلزمهم تجاه ذلك.
▪️ (التفسير العام):
- لأجل عادة قريش وإِلْفِهم، رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام آمنين، فليعبدوا الله ربّ هذا البيت الحرام وحده، الَّذي يسَّر لهم هذه الرحلة، ولا يشركوا به أحدًا، الَّذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، بما وضع في قلوب العرب من تعظيم الحرم، وتعظيم سكانه.
تدارس سورة الفيل: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ • أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ • وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ • تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ • فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾:
▪️ (مقصد السورة):
- حماية الله للبيت الحرام؛ تطمينا وامتنانًا على المؤمنين، وتحذيرًا وتوعدًا للمشركين، نعمة امتن بها على قريش، الذي صرف عنهم كيد أصحاب الفيل لهدم الكعبة، فأبادهم الله وخيب سعيهم، وكان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله(ﷺ)، فإنه في ذلك العام ولُد على أشهر الأقوال، والخطاب فيه تعريض بكفران قريش لنعمة عظيمة من نعم الله عليهم إذ لم يزالوا يعبدون غيره.
▪️ (التفسير العام):
- ألم تعلم - (أيها الرسول) - كيف فعل ربك بأبْرَهَة وأصحابه أصحاب الفيل حين أرادوا هدم الكعبة؟!، لقد جعل الله تدبيرهم السيئ لهدمها في ضياع، فما نالوا ما تمنوه من صرف الناس عن الكعبة، وما نالوا منها شيئًا، وبعث عليهم طيرًا أتتهم جماعات جماعات، ترميهم بحجارة من طين مُتَحَجر، فجعلهم الله كورة زرع أكلته الدواب وداسته.
تدارس سورة (الهمزة):
قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ • الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ • يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ • كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ • وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ • نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ • الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ • إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ • فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾:
▪️ (مقصد السورة):
- وعيدُ المُتَعالين السّاخرين.
▪️ (التفسير العام):
- وبالٌ وشدّةُ عذاب لكثير الاغتياب للناس، والطعن فيهم، الَّذي همّه جمع المال وإحصاؤه، لا همَّ له غير ذلك، يظن أن ماله الَّذي جمعه سينجيه من الموت، فيبقى خالدًا في الحياة الدنيا، ليس الأمر كما تصوّر هذا الجاهل، ليطرحنّ في نار جهنم التي تدقّ وتكسر كلّ ما طُرِح فيها لشدّة بأسها.
- وما أعلمك (أيها الرسول) ما هذه النار التي تحطّم كل ما طُرح فيها؟! إنّها نار الله المُستعِرَة، التي تنفُذ من أجسام الناس إلى قلوبهم، إنّها على المُعَذَّبين فيها مغلقة، بعَمَدٍ ممتدة طويلة حتَّى لا يخرجوا منها.