﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ • ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾:
سُميت الحيوانات ذات الأنياب والمخالب بالجوارح؛ لأنها تجرح وكذلك الجرح بمعنى الكسب؛ قال تعالى: (ويعلم ما جرحتم بالنهار) أي ما كسبتم، وتقول العرب: فلان جرح أهله خيرا. أي أكسبهم خيرا وفلان لا جارح له أي لا كاسب له وامرأة لا جارح لها. أي لا كاسب لها والاجتراح بمعنى الاكتساب. ويستفاد من قوله تعالى: (قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح) أن الجوارح استوفت دلالتين: دلالة الكسب. بما تكتسبه من الصيد لصاحب الجارح. وكذلك دلالة الصفة: لصفتها الجارحة بما قد تحدثه من جرح.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾:
محدودية علم الإنسان من الدنيا (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) ويؤكده قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ثم هذا العلم موصوف بالبسيط (ظاهرا) فسبحان العليم الخبير.
﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾:
دلالات الفظة: في النهي عن نكاح المشركات وجه الخطاب للمعنيين وهم الرجال (ولَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) وفي النهي عن إنكاح المؤمنات للمشركين وجه الخطاب للمؤمنين الرجال (وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) ليفيد أن الرجل هو المعني بتزويج وليته وله ولاية التزويج على الأصل. اختلاف في بنية الكلمة. واختلاف في دلالة الخطاب فوجه الخطاب للمؤمنين في كلا الوجهين.
﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾:
ترتبط دلالة اللفظة بما اشتقت منه ككلمة (الْجَوَارِحِ) من قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) فسميت حيوانات الصيد بالجوارح من الجرح. وهو الكسب. كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا. أي أكسبهم خيرا. ويقولون: فلان لا جارح له. أي لا كاسب له، والاجتراح الاكتساب. ويقال: امرأة لا جارح لها. أي لا كاسب لها. فباعتبار الكسب بما تكتسبه من الصيد فهي جوارح وباعتبار تأسدها بما يحدث من جراح للصيد فهي كذلك. فتأمل الدقة في اللغة وغزارة اللفظ في القرآن الكريم بما يشمل كلا الدلالتين. ولا تناقض في شمولية الدلالتين للفظة (الجوارح).
﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾:
عندما علل المرابون استباحة الربا. شبهوا البيع بالربا. ولم يشبهوا الربا بالبيع (قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) فجعلوا الربا نظيرا للبيع. وليس قياسا له. إذ لو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع. فأجازوه باعتراضهم فهذا من دقائق مكونات اللغة فجعلوا الربا هو الأصل. وقاسوا عليه البيع. وهذا من دقائق البيان القرآني في وصف حال أولئك المرابون.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾:
اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين. ولهذا لم يأْمر الله به في موضع قط ولا أثنى عليه، ولا رتب عليه جزاء ولا ثوابًا، بل نهى عنه في غير موضع كقوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنتُمُ الأعْلَوْنَ إن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ).
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾:
اجتماع الأمر والنهي في أمر واحد من أجل التأكيد والتنبيه وتعظيم الأمر. كقوله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) فأمر بالبيان. وأكده بعدم الكتمان. وكلاهما متعلق بأمر واحد وهو نبوة محمد (ﷺ).
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ • وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾:
فالذين يُعرضون عن ذكر الله تصدهم الشياطين عن سبيل الحق فيزيِّنون لهم الضلالة، ويكرِّهون لهم الإيمان بالله والعمل بطاعته ويظن هؤلاء المعرضون بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلال أنهم على الحق والهدى.
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾:
فالغم (الأول) جزاء لمخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما أصابهم من القتل والجرح. والغم (الثاني) إشاعة مقتل النبي فأنساهم غم مقتل النبي (ﷺ) الغم الأول: وهو القتل والجرح وفوات الغنيمة. فاجتمع في الغم الأول الجزاء. وفي الغم الثاني الثواب. وهو الفرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل. فكان الحزن الثاني ثوابا لأنه أنساهم الحزن الأول. فهو معجزة في البيان ومعجزة في الأثر ومعجزة اجتماع التضاد.