﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾:
قوله تعالى: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) ما يفيد أهمية استشعار رؤية الله تعالى وعلمه بنا في الخلوات. فإن الله يحب أن يهابه ويخافه في جميع أحواله، وكذلك يفيد ذلك أن هناك حِكَم من أمره ونهيه سبحانه وتعالى. قد نعلمها وقد لا نعلمها.
﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾:
من بلاغة البيان قوله تعالى في علة جزاء من صاد وهو محرم (ليذوق وبال أمره) فوجوب وقوع هذا الجزاء ليشعر بذنبه. وذكر (الذوق) لإدراك المشقة، لأن الذوق أبلغ في الشعور من جميع الحواس و(الوبال): ثقل الشيء فيما تكرهه النفس، وهذه من بلاغة البيان العقابي، ليجتمع العقاب الحسي والمعنوي.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ • إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾:
تأمل عاقبة تكذيب الرسل وعاقبة من صدقهم (كذبت قوم لوط بالنذر، إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر، نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر)، والشكر: حمد وثناء بعد قبول نعمة الدين. فتربية النفس على شكر الله تعالى على نعمة الإيمان، وقبول الحق الذي جاء به النبي (ﷺ) عن ربنا تبارك وتعالى.
﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾:
إن أراد الذين عاهدوك أن يخدعوك فإن الله هو يكفيك أمرهم. هو الذي حقق لك التأييد بنصره لك، وجمع لك المؤمنين. في هذا ما يفيد أن الله تعالى إذا نصر عبده جمع له سبل النصر.
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾:
سؤال استنكاري، وتوبيخي، وفيه تقريع لهم. ومع هذا فهو يحمل دعوة لهم نحو التوبة (أفلا يتوبون) وجمعت لهم طريقة التخلص من ذنوبهم: بالجمع بين التوبة والاستغفار فالتوبة وعد وعزيمة على الإقلاع عن الذنب وعدم العودة إليه. والاستغفار رجاء محو الذنب.
﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾:
الفرق بين الجنف والإثم:
(الجنف): هو الميل عن الحق والصواب من غير تعمد.
(الإثم): هو التعمد في الخروج عن الحق.
وهذه الدقائق اللفظية من غزارة دقة المعاني في القرآن الكريم.
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ • وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُون﴾:
(هذا الحديث) أي: القرآن، والاستفهام للتوبيخ وتعجبهم هو تعجب تكذيب به، (وتضحكون) استهزاء به، (ولا تبكون) انزجارا وخوفا من الوعيد، الضحك يقابل البكاء؛ فضحكهم قابل الأولى الذي يجب أن يكون منهم، وهو الخشوع والبكاء، لما في القرآن من الوعد والوعيد الذي يُبكي الإنسان، لما يقترفه من التفريط في الطاعة وارتكاب المعصية فهذا الأولى تجاه آيات القرآن الكريم، ولكنهم قابلوا الأولى بالضحك.
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾:
ومن دقة أحكام الله تعالى: استيعاب الحكم لاختلاف حال المعني بالحكم إذا كان يتطلب ذلك، كقوله تعالى في كفارة اليمين (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم) فعين للحالف وسطية إطعام أهله، وأهل كل أحد مختلف عن أهل غيره فاستوعب الحكم شرائح الناس في قدراتهم وكذلك كلمة (من أوسط) تفيد عدم المبالغة بين طرفي الإسراف والتقتير فما يكون كثيراً عند أناس قد يكون وسطا عند غيرهم وما يكون في بلد قد يكون في غيره على خلافه فمراعاة القدرات يؤكد دقة الحكم وتناهيه في الدقة حتى أصبح بدقته آية بلاغية وحكمية من آيات الله تعالى.