﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾:
من عمق البلاغة في دلالات القرآن الكريم جملة (مِمَّا تُحِبُّونَ) في قوله تعالى: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فمن عظيم البيان أن وصف حال النفقة دون تحديد عينها ونوعها واسمها. ولكن أبان حالها (مِمَّا تُحِبُّونَ) لتشمل اختلاف ونوع ما تحبه النفس وتستوعب اختلاف درجات وقدرات العباد المختلفة. فهناك الفقير بدرجاته ونوع ما يحب. وهناك صاحب الكفاف ونوع ودرجة ما يحب. وهناك الميسور. وهناك الأغنياء. وإن قدر ونوع ما يحبه الميسور ليس هو قدر ونوع ما يحبه الغني فسبحان من أعجز بكلامه عباده. وأيضا وُرود (مِن) للتبعيض، لتشمل جميع الأجناس المُحببة.
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾:
هذا البيان من الله تعالى يكشف مسؤولية الإنسان عن نفسه وعن واجباته تجاه غيره.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾:
اشتمل النهي عن الاغترار بالدنيا. والاغترار بحلم الله تعالى وعطائه فلا تغتر بالدنيا وملذاتها وشهواتها فتأخذك إلى الهاوية. فكن فطنا لنفسك بكلام الله تعالى فمن رحمته سبحانه وتعالى بين لك الحقيقة.
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾:
من جميل دلالات قوله تعالى: (وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم ومن بلغ) قال "القرطبي" رحمه الله تعالى: من بلغه القرآن فكأنما قد رأى النبي محمد (ﷺ) وسمع منه. وقال "مقاتل" رحمه الله: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له. أقول: وأنت تقرأ استشعر أن رسول الله (ﷺ) يخاطبك بكلام الله تعالى.
﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾:
للتجارة والبيع حدود في دين الله. ومنها أن لا يكون مانعا وعائقا للعبد عن: ذكر الله، والصلاة، وإيتاء الزكاة.
من دوافع الطاعة الخوف من عذاب الله.
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾:
فوائد جَمَّة؛ قال تعالى: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عن ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُون رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعا وَمِمَا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُون) فمن البلاغة القرآنية: لفظة التجافي التي تحمل مقارعة النفس لملذاتها بالتصارع مع لذة النوم. فلم تكن هناك لفظة ابلغ منها في تصوير حالته الطباق (خوفا وطمعا) لتكشف حالة النفس وهي تدفع بذاتها عن مطارح النوم. فما أعظمه من بيان وبلاغة .. فقد بينت لفظة (تتجافى) مقاومة ومدافعة النفس للاستغراق في النوم، والاضطجاع على الفُرُش. فهذا التجافي هو من أجل الدعاء ويحمل هذا التجافي أمرين متضادين: (الأول): الخوف من الله تعالى، و(الثاني): الطمع الذي يمثل الرجاء في رحمة الله الكريم الوهاب.
فيدل ذلك على أن الخوف والرجاء دافعين قويين وتأمل بلاغة القرآن الكريم في تصوير ووصف حالة أولئك الخائفين من عذاب الله تعالى؛ الطامعين في رحمته ومن الفوائد أن منهجية عبادة العابد لله تعالى قائمة على الجمع بين الخوف والطمع في وقت واحد. فالخوف من الله لِمَا اقترف من الذنوب والتقصير، وأما الطمع ففي رحمته سبحانه وتعالى وبينت أن من حالهم الإنفاق من رزق الله تعالى بدافع الخوف والطمع، وهو من علامات الجدية في العبادة. فإذا كان تجافي جنوبهم عن مطارح النوم من أجل التنفل بصلاة الليل والذكر والدعاء. فكيف بمن يفرط في صلاة واجبة، أو نُسُك، أو عمل، أو قول، أو علم واجب.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
هذا نهج المؤمن كلما رأى معصية أو حدثته نفسه بظلم أو أذى أو أي معصية قال لنفسه (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذابَ يوم عظيم).
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾:
من بلاغة دلالة كلمة (إلى حين) في قوله تعالى: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) أنها أعطت مساحة زمنية للحياة، بأنهاية إلى حين وجاءت (ولكم) بصيغة الجمع. لتفيد أن نهايتكم جميعاً إلى حين فينبثق منها أفرادها. إذ لكل أحد حياة إلى حين وينبثق منها كل شيء: من تعب أو فرح فإنه إلى حين (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) إنها قوة دافعة للخير؛ لأنها فرصة إلى حين فاستثمر وقتك وجهدك إلى حين وسارع نحو الآخرة إلى حين وسارع أن تكون من المتقين إلى حين لتصل إلى دار ليست إلى حين (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين).