" إنما المؤمنون إخوة "
يقول القرطبي في تفسيره :
( أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإن أُخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب )
وعليه :
فجسد الأمة واحد فإذا جُرحت تنبهت أطرافها ، ومن لم يشتكِ فإما مخدَّر أو ليس منها .
فمقتضى أخوة الإيمان أن يتألم المؤمن لمصائب إخوانه وأن يهتم لهمومهم بل ويحزن إن تعثروا وأصابوا ذنبا فيدعوا لهم .. إلى غير ذلك من معاني الأخوة .
" إن هذه أمتكم أمة واحدة "
وقوله
" إنما المؤمنون إخوة "
وقوله
" المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض"
" المؤمنون تتكافأ ... "
" المسلم أخو المسلم لا .."
هذا الحشد من النصوص يجب أن يؤثر فيك ..
من أعظم حواجب الرحمة بخس حقوق المؤمنين ، قال تعالى :
" إنما ( المؤمنون ) إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ( ترحمون ) "
وأول أبواب الرحمة التقوى " واتقوا الله لعلكم ترحمون "
" لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم "
المؤمن لايرى إخوانه إلا خيراً منه ولعل هذا أحد أسرار عظمة سلفنا الأوائل وفرض احترامهم على غيرهم .
ومن تدبر كتاب الله بحق جعل هواه وراء ظهره ، وقدم مراد الله ومراد نبيه على كل مراد ، وتجرد من كل هوى ، واستحيا من الله أن يخالف أمره .
" لا يسخر قوم من قوم "
... وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله ، والاستهزاء بمن عظمه الله .
ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل :
لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أصنع مثل الذي صنع...
وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا .
لا تكاد تجد شخص يسخر من قبيلة أو بلد أو منطقة أو عرق إلا وتجد فيهم من هو خير منه ، وهذا مصداق قول الله " لا يسخر قوم من قوم ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) "
" ولا تلمزوا ( أنفسكم ) "
" ولا تقتلوا ( أنفسكم ) "
" لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ( بأنفسهم ) خير "
وهل أحدنا يلمز نفسه ؟!!
ويقول في موضع آخر: " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ( أنفسكم ) تحية من عند الله "
فهل يسلم المؤمن على نفسه أو يسلم على من دخل عليهم؟
الحق يريد بالتشريع ( والله أعلم ) أن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، ولذلك قال أيضا:
{ولا تقتلوا أنفسكم} أي لا تقتلوا غيركم، والمعنى هو أن الوحدة الإيمانية يجب أن تجعلنا متكاتفين في وحدة.
فأخوك في الإسلام وروحك التي بين جنبيك يعبر عنها في الوحي ب" أنفسكم " وبهذا قال قال شيخ المفسرين أيو جعفر ابن جرير الطبري .
قال الطبري :
( لا يلمز بعضكم بعضا، ولا يقتل بعضكم بعضا لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزه كلامز نفسه، وكذلك تفعل العرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها )
( .. وفي قوله" أنفسكم" تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه، قال صلى الله عليه وسلم:] المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )