القرآن المجيد ليس صورة لنفسية فرد، ولا مرآة لعقلية شعب، ولا سِجِّلًا لتاريخ عصر، وإنما هو كتاب الإنسانية المفتوح، ومنهلها المورود، فمهما تتباعد الأقطار والعصور، ومهما تتعدد الأجناس والألوان واللغات، ومهما تتفاوت المشارب والنزعات، سيجد فيه كل طالب للحق سبيلًا ممهدًا، يهديه إلى الله، على بصيرة وبينة (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).
إذا تأملت سورة القمر، وجدت خطابها خاصًا ببني آدم، بل بمشركي العرب منهم فقط، فأتبعت سورة القمر بسورة الرحمن؛ تنبيها للثقلين، وإعذارًا إليهم، وتقريرًا على ما أودع سبحانه في العالم من العجائب، والبراهين الساطعة، فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؛ خطابًا للجنسين، فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان.
قال تعالى عن القيامة: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ) يعني: هي خافضة رافعة، فأهل العلم والإيمان هم الذين لهم الرفعة في الدنيا والآخرة، ومن سواهم فإنهم موضوعون بحسب بعدهم عن العلم والإيمان، وتخفض أهل الجهل والعصيان، وكم من إنسان في الدنيا رفيع الجاه، معظم عند الناس، يكون يوم القيامة من أحقر عباد الله؟!
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) (الحديد: ١٦) هذه الآية تتضمن توبيخًا وعتابًا لمن سمع هذا السماع، ولم يُـحدِث له في قلبه صلاحًا ورقَّةً وخشوعًا، فإن هذا الكتاب المسموع يشتمل على نهاية المطلوب، وغاية ما تصلح به القلوب!
الاعتماد في الحماية والنصرة على المخلوقين من أعظم أسباب الخذلان في أحرج الأوقات، تدبر: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ).