عندما يفقد الإنسان التفاؤل، سينطلق في تصرفاته من قاعدة التشاؤم؛ وهنا يكون قد أساء الظن بربه، وجلب على نفسه من المصائب ما لا تطيق، قف متدبرا هذه الآية، تدرك ماذا جنى المتشائمون عاجلًا وآجلًا: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ).
في قول المشركين: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) كل هذه المحاصرة لصوت القرآن؛ حتى لا يصل إلى قلوبهم ولا إلى قلوب غيرهم، وهو متضمن الاعتراف بأن هذا القرآن قادر على اقتحام قلوبهم، وأن ينتزعهم من أنفسهم، وأنه هو هذا الدين، وأن الإفلات منه إفلات من هذا الدين.
إنها آية من الروعة بمكان! فهي تصل -في إحساس المؤمن- الدنيا بالآخرة، وتملؤه سكينةً وسلامًا، فإنما قبضة الأرواح بالنسبة للمؤمن المستقيم رسل سلام من السلام! (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) (النحل:٣٢).
وجدت هذه الآية في حياتي: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فكلما وقعت خصومه أو سوء فهم، تذكرت هذه الآية، واجتهدت في الإحسان، فأجد تسامحا عجيبا، وقناعة ورضا عن نفسي ولله الحمد.
قال عمرو بن عثمان المكي: لقد عَلَّمَ الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما فيه الشفاء، وجوامع النصر، وفواتح العبادة، فقال: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ومناسبة ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: (الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) دون غيرهما؛ لمناسبتهما للإغاثة؛ لأنَّ الولي يحسن إلى مواليه، والحميد يعطي ما يُحمد عليه.
أثر المعاصي في الحرمان من العلم النافع معلوم بالنصِّ والواقع، كما قال الله سبحانه: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)، ولا ريب أنَّ حرمان العلم النافع من أعظم المصائب.