أهل السنة يموتون و يحيا ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول؛ فكان لهم نصيب من قوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)، وأهل البدعة شنئوا ما جاء به الرسول؛ فكان لهم نصيب من قوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).
هنيئًا لك وبشرى أيها الحاج، فقد ولدت بحجك هذا ميلادًا جديدًا، وتركت وراءك ركام الذنوب، وعدت كيوم ولدتك أمك، فاجعل من حجك بداية حياة جديدة، ومعاملة صادقة مع الله، واستأنف عملك، فقد كفيت ما مضى، ولكن الشأن فيما بقي، (وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا).
فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سُدى لا يؤمرون ولا يُنهون، ولا يثابون ولا يُعاقبون؟! أم الذي خلق الإنسان أطوارًا بعد أطوار، وأوصل إليهم من النعم والخير والبر ما لا يحصونه لا بُدّ أن يعيدهم إلى دار هي مستقرهم وغايتهم؟!
عادة القرآن تقديم ذكر عاد على ثمود إلا في بعض المواضع، ومنها: في سورة الحاقة فإنه قال:(كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ)، وسبب ذلك -والله أعلم- أن السورة لما ابتدأت بذكر (بِالْقَارِعَةِ) - وهي التي تقرع أسماع الناس من شدة صوتها - قدم ذكر (ثَمُودُ)؛ لأن العذاب الذي أصابهم من قبيل القرع إذ أصابتهم الصواعق المسماة في بعض الآيات بالصيحة.
(فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) (الحاقة: ٨) لا بقاءَ لهم حسًّا ولا معنًى إلا الذكر السيء. وهذه سنة مطردة في كل من آذى الأنبياء والمؤمنين، وفي ذلك عزاء للمصلحين؛ إذْ يخلِّد الله ذكرهم، ويطمس ذكر المفسدين!
(وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (الحاقة: ١٢) عبر بـ (الأذن) عن القلب الذي هو مكان الوعي، إذ يقال: قلب واع؛ ليدل على أن نوع السماع مؤثر في فهم القول والاستجابة له، لذا قال المشركون: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ) (فصلت: ٢٦)، كما يعرف عقل الرجل بكيفية سماعه وإنصاته.
"لمن يتستَّر خلفَ المعرِّفات المستعارة:
(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة: ١٨) تستَّر هنا بما تشاء من الكذب والمعرِّفات، واستعدَّ ليومٍ لا تخفى فيه خافية، فالحساب كله مكشوف!
"
قال ابن عقيل: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) هذا رسول الله، شهد الحق له لولا تخلقه للخلق الجميل لانفضوا عنك، ولم يقنع بالمعجز في تحصيلهم، لا تقنع أنت بالعلوم وتظن أنها كافية في حوش الناس إلى الدين، بل حسن ذلك وجله بالأخلاق الجميلة.