" قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ " لأنّ الذي بدا من الأفواه ليس إلا من فائض ما في الصدور، كما يفيض الإناء إذا امتلأ!
قال علي: إن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء، فإذا عمل العبد الصالحات، نَمَت، فزادت؛ حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء، فإذا انتهك الحرمات، نمت وزادت؛ حتى يسود القلب كله، فيُطبع عليه، فذلك هو الختم وتلا قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) ، أي: ضعفاء؛ لقلة عَدَدِكم وعُدَّتكم، وحال المسلمين اليوم لا تقارن بأعدائهم من الأمم التي تداعت عليهم من أقطار الأرض، مدعومة بالعَدَد والعدة. وسبيل النصر عليهم والوقاية من كيدهم بينه الله للرسول وللصحابة قبيل آية بدر فقال: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)، فلما التزموا الصبر والتقوى، تحقَّق لهم النصر العظيم.
صدرك صندوق لأكثر أعمالك، وسيفتح هذا الصندوق: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) فانظر ما الذي سيفتح عليه الصندوق؟ أيسرك أن يفتح وفيه رياء أم حسد أم شيء يكدر سلامته؟ هنيئًا لمن قيل له أنت ممن: (أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:٨٩).
اتفقت سورتا الأعلى والغاشية في كلمة (فَذَكِّرْ) مما يدل على أن السورتين تركزان على التذكير بعظم حق الله، استدلالًا بآياته، وتخويفًا من شدة عذابه؛ ولذا قال: (النَّارَ الْكُبْرَى) (الأعلى:١٢)، (الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ) (الغاشية: ٢٤)، مما يبعث المؤمن على الحرص على تزكية نفسه، والحذر من الإعراض عن شرع ربه.
في (آل عمران): (وسارعوا) وفي (الحديد:٢١) (وسابقوا) فأين الذين يسارعون إلى الخيرات؟ وأين الذين دخلوا الميدان لا يرضون بأن يكونوا في الأخير؟ بل هم حريصون على السبق، وبهذا يتحقق التدبُّر العملي للآيتين.
في بيان صفات المتقين -الذين وعدهم الله بجنة عرضها السماوات والأرض-، ابتدأت بـ (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء) والمتوقع أن يكون البدء بترك الفواحش المذكورة في نفس الآية، أو بذكر أجل الأعمال وهي الصلاة، والسر في ذلك أنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة في الآية التي قبل هذه الصفات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " بدأ بذكر ضده -ضد أكل الربا- وهو الإنفاق: (ينفقون في السرّاء والضرّاء