تأمل في خطاب شعيب لقومه، فلهذه الأجوبة الثلاثة -على هذا النسق- شأن: وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها حق الله تعالى، وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس.
(وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي) قال السدي: «لا يحملَنَّكم عدواتي على أنْ تتمادوا في الضلال والكفر؛ فيصيبكم من العذاب ما أصابهم»! ويستفاد من كلام السدي: أنَّ العاقل لا يعادي الحق لأنه يبغض أهله؛ فإنه ما ضرَّ إلا نفسَه!
(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ)، (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا) (الأنعام:٢٥) تدبَّر ما ذكره الله عن أعداء الرُّسل من نفي فقههم وتكذيبهم، تجد بعض ذلك فيمن أعرض عن ذكر الله، وعن تدبُّر كتابه، واتبع ما تتلوه الشياطين، وما توحيه إلى أوليائها.
جاء في سورة هود في قصَّة شعيب: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) (هود:٩٤) بالتأنيث، بينما هي في السورة نفسها في قصَّة ثمود: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) (هود: ٦٧) بالتذكير، فما السرُّ البلاغي؟! لعلَّ أقرب جوابٍ بلاغي ما ذكره الخطيب الإسكافيُّ؛ أنَّ عذاب قوم شعيب جاء بثلاثة ألفاظ كلها مؤنثة: الرجفة، والصيحة، والظلَّة، فغلَب التأنيثُ! والله أعلم.
"قادةٌ لكن من نوعٍ آخر:
قال قتادة: «فرعون يمضي بين يدي قومه، حتى يهجم بهم على النار»!
الدر المنثور ٤٧٢/٤
قادة الضلال يوردون أتباعهم المهالك، فانظر خلفَ مَن تسير!
"
"قال أبو عمران الجوني r: «لا يغرنَّكم طولُ النسيئة ولا حسن الطلب؛ فإن أخذه أليم شديد»!
الدر المنثور ٤٧٤/٤
العاقل لا يغتر بتأخر العقوبة، وإنما يدفعها قبل وصولها بالتوبة!
"
إن الأقدار حولنا تصنع الكثير، مما نفهم ومما لا نفهم، وهذا الكثير يتحول إلى أسئلة عملية، نجيب عليها بسلوكنا، ترى أنصبر في البأساء والضراء؟ ترى أنشكر في النعماء والسراء؟
لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل، وما حل بهم في الدنيا من الخزي، قال بعد ذلك: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) فأخبر أن عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه، فإنه إذا سمع ذلك قال: لم يزل في الدهر الخير والشر، والنعيم والبؤس، والسعادة والشقاوة»! وربما أحال ذلك على أسباب فلكية، وقوى نفسانية.
قف أمام قوله سبحانه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)! لتدرك أن من لوازم الاستقامة المشروعة أن تكون وفق ما أُمرت به، وليس كما قد يبدو لك من الاستقامة الحسية، فقد تكون حقيقة الاستقامة أن تميل نحو الحق، كما كان أبونا إبراهيم حنيفًا؛ أي: مائلا للحق، فتدبر تدرك ضلال ما حسنته بعض العقول القاصرة.