قف أمام قوله سبحانه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)! لتدرك أن من لوازم الاستقامة المشروعة أن تكون وفق ما أُمرت به، وليس كما قد يبدو لك من الاستقامة الحسية، فقد تكون حقيقة الاستقامة أن تميل نحو الحق، كما كان أبونا إبراهيم حنيفًا؛ أي: مائلا للحق، فتدبر تدرك ضلال ما حسنته بعض العقول القاصرة.
.
(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (هود: ١١٦) إن كل ما نشاهده من الفساد في عصرنا فمثاره الافتتان بالترف، واتباع ما يقتضيه الإتراف؛ علم هذا المهتدون الأوَّلون بالقرآن من الخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة، فكانوا مثلاً صالحًا في المعيشة، أو تغليب جانب الخشونة والبأس والشدة، فانظر كيف اهتدى السلف الصالح بالقرآن وحده!
تأمل كيف وصى الله الأبناء ببر والديهم والإحسان إليهم في آيات عديدة، وبأسلوب عظيم، بينما لا نجد مثله بتوصية الآباء بأبنائهم إلا فيما يخص إقامة الدين وتحقيق العدل، بل نجد التحذير من عداوتهم وفتنتهم: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)، (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)؛ لأن الآباء جبلوا على حب أبنائهم حبًا فطريًا قد يوصل إلى الإضرار بدينهم، فهل نقوم بحق آبائنا برًا وإحسانًا كما أمرنا الله؟
(فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) كل أحد من الخلق يريدك لنفسه.. من أهل وولد وصديق وخادم، وليس معك على الحقيقة إلا الحق سبحانه، فإن خذلك أو أخذك بذنبك لم يَبْقَ لك متعلق، وكان الهلاك، وإن لطف بك وقربك إليه لم يضرك انقطاع كل منقطع عنك، فلا تلتفت إلا إليه، ولا تعول إلا عليه، وإياك أن تعقد خنصرك إلا على الذي نظمها.
يقول ابن الجوزي: قرأت سورة يوسف، فتعجبت من مدحه على صبره، وشرح قصته للناس، ورفع قدره؛ فتأملت خبيئة الأمر، فإذا هي مخالفته للهوى المكروه، فقلت: واعجبا لو وافق هواه؛ من كان يكون؟ ولـمَّـا خالفه لقد صار أمرًا عظيمًا تضرب الأمثال بصبره، ويفتخر على الخلق باجتهاده، وكل ذلك قد كان بصبر ساعة فيا له عزًا وفخرًا، أن تملك نفسك ساعة الصبر عن المحبوب وهو قريب.
"(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف: ٤) فإن قلتَ: لم أخَّر الشمس والقمر؟
قلت: أخَّرهما ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص، بيانًا لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع، كما أخَّر جبريلَ وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك!
"
آيات لكل من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال؛ فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات، ولا بالقصص والبينات.