فـ(كُلُّهُمْ) يفيد الإحاطة والعموم، ولا يلزم من قوله: (لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ) أن يكونوا كلهم، وذلك على الأكثر منهم، فـ(كُلُّهُمْ) رافع لهذا التوهم، وأما قوله: (جَمِيعًا) فليس بتأكيد، ولو كان تأكيدًا لقال: (أجمعون) ولم يكن منصوبًا؛ وإنما هو حال؛ أي: مجتمعون على الهدى، كما قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) (الأنعام: ٣٥).
"لا أحصي الأسئلة التي تصلني وأقف أمامها حائرًا:
ألا ترى (النُّذر) تتوالى علينا والتجاوب أمامها ضعيف لا يتناسب مع مكانتها، سواء من العامة أو الخاصة؟
فأخاف أن يكون الجواب: (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) فأقول: اللهم سلم سلم.
"
كثيرون يقرؤون هذه الآية وينحصر فهمهم بأنَّ الخير في الكشف فحسب، مع أنَّ الخير قد يكون بإصابته بالضر لا بكشفه؛ مغفرةً لذنوبه، ورحمةً به: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فكلُّ ما يقضيه فهو له خير، كما في الصحيح: «عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كلَّه له خير... الحديث»(رواه مسلم ح (٢٩٩٩) ).
"«شيبتني هود وأخواتها»!(أخرجه عبدالرزاق ح(٥٩٩٧)، الطبراني ح(٥٨٠٤))
عهدنا شيوخنا وهم يقرؤون سورة هود؛ لهم وضع آخر، المساجد تمتلئ وهم لا يسمعون الصوت، بدون مكبرات؛ لكن يسمعون البكاء والتأثر، والله المستعان.
"
ومن تدبر القرآن، وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية: من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، فأحكمت ألفاظه، وفصلت معانيه، أو بالعكس -على الخلاف-، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر، سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر.
(وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ) كثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح.
لا بد لكل مخلوق من الرزق: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا)؛ حتى إن ما يتناوله العبد من الحرام، هو داخل في هذا الرزق! فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة ويرزقون رزقًا حسنًا، وأهل التقوى يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون، ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة ولا يكون خبيثًا، والتقي لا يحرم ما يحتاج إليه من الرزق، وإنما يحمى من فضول الدنيا رحمة به؛ فإن توسيع الرزق قد يكون مضرة على صاحبه، وتقديره يكون رحمة لصاحبه.
ﱡﭐ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﱠ (هود: ١٢) إنما عدَل عن (ضيِّق) الصفةِ المشبَّهة إلى (ضائق) اسمِ الفاعل؛ ليدلَّ على أنه ضِيقٌ عارض غير ثابت، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أفسح الناس صدرًا.
يقول سعيد بن جبير: كنت لا أسمع بحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجهه إلا وجدت تصديقه في القرآن، فبلغني حديث: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار»(أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/٣٦٣)، مسلم ح( ١٥٣)، سعيد بن منصور ح(١٠٨٣) ) فجعلت أقول أين مصداقه في كتاب الله؟ حتى وجدت هذه الآية وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ.
في البشر ميل عجيب إلى ما يسمى بنظام الطبقات، وإلى تحقير فئات من الناس للونهم أو لفقرهم! وقد طلب قوم نوح منه طرد هؤلاء الأراذل عنه؛ لأنهم يستنكفون الاجتماع معهم، فأجاب: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ).