الخوض في التفاصيل الدقيقة في الحوار حول أي موضوع كثيرًا ما يسبب الحرج لبعض الحاضرين؛ ولهذا كان التغافل والإغضاء من صفات النبلاء، وهو شيء نتعلمه من نبينا صلى الله عليه وسلم.
"هل أنت من أهل الخروج إلى البراري والمنتزهات؟
تأمل.. طبيعة البشر تستريح وتسعد بالخروج من المألوف: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) ولكن هذا لا ينسي أن فيها شيئًا من المخاطر يجب أن تتقى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
"
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴿١٧﴾)
(يوسف: ١٧)
لماذا عدل عن قوله: (بمصدِّق لنا) مع كونها أكثر رعايةً للجناس؟ لأنَّ لفظ (الإيمان) يقتضي التصديق مع زيادة إعطاء الأمن. قال الزركشي: «فتأمل هذه اللطائف الغريبة، والأسرار العجيبة، فإنه نوعٌ من الإعجاز»!
"من عجائب الجزاء في الدنيا:
ـ أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ)، امتدت أكفهم بين يديه بالطلب، يقولون: (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) (يوسف:٨٨).
ـ ولما بغت عليه المرأة بدعواها: (ا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا) (يوسف:٢٥)، أنطقها الحق بقولها: (أَنَا رَاوَدْتُهُ) (يوسف:٥١)، ومن ترك معصية لله، رأى ثمرة ذلك، وكذا إذا فعل الطاعة."
(رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) كم قرأت هذه الآية وسمعتها؟ هل استوقفك فيها أمر قلَّ أن نتدبره؟ سألت هذه المرأة الصالحة أن يكون البيتُ عند ربِّها قبل أن تسأله أن يكون في الجنة، أو أن تقتصر عليه، وقد جعلها الله مثلًا للمؤمنين، وشهد لها نبيُّنا بالكمال، وأنها من خير نساء العالمين؛ فهل دعونا بمثل ذلك؟
سبقت قصة المراودة بما يحدد مكانها وأشخاصها، بل وخصائصهم: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) اشتمل هذا على تحديد المكان (مِن مِّصْرَ)، وأن المشتري مِن ذوي المكانة: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ )، وأن يوسف كان إذ ذاك صبيًّا: (نَتَّخِذَهُ وَلَدً).
أول ما يواجهنا في القصة تلك الكلمة التي تختصر الحدث كلَّه: (وَرَاوَدَتْهُ)، فهي تصور من أول لحظة الإعجاب الشديد من امرأة العزيز، حتى طلبت فعل المنكر، وأنها بذلت قصارى جهدها في التحايل؛ لأنَّ المراودة دالَّةٌ على رفقٍ في الطلب، ومجيء وانطلاقٍ، وصيغة المفاعلة دالة على التكرار.