فيها تنبيه لطيف على أن الناظر في العلم -عند الحاجة إلى العمل أو التكلم به- إذا لم يترجح عنده أحد القولين؛ فإنه يستهدي ربه ويسأله الهداية للصواب، بعد أن يقصد الحق بقلبه ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب من هذه حاله، كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدين، ولم يدر الطريق المعين إليها، فسأل ربه، فهداه الله، وأعطاه ما رجاه وتمناه.
تأمل في سر قول عيسى عليه السلام -أول ما تكلم-: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)، قال وهب: أقر عيسى على نفسه بالعبودية لله- عزوجل - أول ما تكلم؛ لئلا يتخذ إلهاً.
ابحث عن صفات الإنسان المبارك في حياتك: قال الله تعالى إخبارا عن المسيح ابن مريم: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ) أي معلما للخير، داعيا إلى الله، مذكرا به، مرغبا في طاعته، فهذا من بركة العبد، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة، ومحقت بركة لقائه والاجتماع به، بل تمحق بركة من لقيه واجتمع به.
يوم حسرتهم وندمهم على ما فرطوا في جنب الله، وحسرتهم يوم أورثت مساكنهم من الجنة أهل الإيمان بالله والطاعة له، وحسرتهم يوم أدخلوا النار، وأيقن الفريقان بالخلود الدائم، والحياة التي لا موت بعدها، فيا لها من حسرة وندامة.
فإنه لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه، حيث لم يصرح فيه بأن العذاب لاحق له، ولكنه قال: (إِنِّي أَخَافُ) فذكر الخوف والمس، وذكر العذاب، ونَكَّره، ولم يصفه بأنه يقصد التهويل، بل قصد استعطافه؛ ولهذا ذكر الرحمن ولم يذكر المنتقم ولا الجبار.
وصفها بالحياء في مشيها خصوصًا، وهذا فيه توجيه للمرأة المسلمة؛ فالمشي عند المرأة يدل على شخصيتها بل يدل على عفافها من عدمه. فانتبهي أختي الكريمة للمشي فهو ليس أمرا هامشيا في حياة المرأة بل هو أمر مهم ذكره الله c في كتابه. ثم قالت: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ)، ولم تقل: إننا ندعوك؛ لأن هذا هو اللائق بالمؤمنة العفيفة حينما تتحدث مع الرجال الغرباء.
فتأمل في قوله تعالى: (مِن رَّحْمَتِنَا) الأخوة رحمة من رحمات الله، ومن رحمة الله قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وددت لو أني لقيت إخواني»، فهل ترانا نستحق أخوته - صلى الله عليه وسلم -، ثم نشتاق لرؤيته كما اشتاق لرؤيتنا بأبي هو وأمي؟
أركان الولاية اثنان: القوة، والأمانة، (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)، فمن العدل ألَّا يولى أحد منصبًا إلا وهو أهل له في قوته وفي أمانته؛ فإن ولى من ليس أهلًا مع وجود من هو خير منه، فليس بعادل.