بادر موسى بالإنكار التهابًا وحميةً للحق فقال: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) ولم يقل: (لتغرقنا)فنسي نفسه، واشتغل بغيره في الحالة التي كل أحد فيها يقول: «نفسي نفسي» لا يلوي على مال ولا ولد، وتلك حالة الغرق، فسبحان من جبل أنبياءه وأصفيائه على نصح الخلق، والشفقة عليهم والرأفة بهم.
(قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) استدل بهذه الآية طائفةٌ من العلماء على أنَّ الغلام كان بالغًا، واستدل آخرون بنفس الآية على أنه لم يكن بالغًا فالذين قالوا: إنه لم يبلغ استدلوا بوصف النفس بأنها: (زَكِيَّةً)؛ أي: لم تذنب، واحتج من قال: إنه بالغ، بقوله: (بِغَيْرِ نَفْسٍ)؛ فهذا يقتضي أنَّه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدلُّ على أنه بالغ، وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، ولا بغير نفس.
قف متأملًا هذا الموقف الكريم الحكيم من الكليم: (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي) يلتمس العذر للخضر في عدم رغبته في استمرار الصحبة: (قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا) فهل نفعل ذلك مع من نحتاج إليهم حتى لا نحرجهم في الاعتذار منا بطلب الفراق إذا لم يجد اللقاء؟
(قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا) هذا جواب لقريش عندما سألوا عن ذي القرنين، فأجابهم: أنه سيقتصر على ما تمس الحاجة إليه، مما يكون به التذكر والعبرة، دون الخوض في تفاصل لا داعي لها، أو فائدتها قليلة، فهل يعي ذلك كثير من الدعاة والخطباء حيث تجد الحشو الممل والاستطرادات الخارجة عن الموضوع؟
في قوله تعالى: (عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)، دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون على ما هم عليه، بل يحبسون حتى يعلم انكفاف شرهم، ثم يطلقون كما فعل عمر.
"قال تعالى ـ في شأن بلقيس قبل أن تعلن إسلامها ـ (وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا) ففيه دلالة على أن ثوبها كان طويلًا ساترًا لساقيها، وهي من؟! امرأة كافرة! في حين أن بعض المسلمات ـ وللأسف الشديد ـ يتنافسن في خلع جلباب الحشمة والحياء فيما يرتدينه من ملابس، بلا حياء ولاخوف من الله! أليس من المدمي أن تكون امرأة كافرة أكثر حشمة وتسترًا من بعض نساء المسلمين؟!
"
(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) تأمل عفة نفسه، واستغنائه عما بين أيديهم، مع أنهم الذين عرضوا عليه الأموال بطيبة نفس، ومصلحة العمل لهم، ثم مع ما هو فيه من خير فقد طلب الإعانة البدنية، مما يبين مكانة العمل الجماعي وأثره في نجاح المشاريع الكبيرة مهما كانت إمكانات الفرد الذاتية.
فمع قلة عددهم بالنسبة لسكان مدينتهم، فإن أثر فسادهم أدى إلى هلاك وتدمير تلك المدينة وأهلها. ونفى عنهم الإصلاح؛ لأن هذه دعواهم التي يخدعون بها الدهماء، كما هو ديدن المفسدين في كل زمان ومكان.