قد يستغرب البعض بل قد ييأس، وهو يرى بعض الكفرة يبغون ويظلمون، ومع ذلك لم يأخذهم الله بعذاب، ولكن من فقه سنن الله، وآثارها في الأمم السابقة لا يستغرب ولا ييأس؛ لأنه يدرك أن هؤلاء الكفرة يعيشون سنة الإملاء والاستدراج التي تقودهم إلى مزيد من الظلم والطغيان، وبالتالي إلى نهايتهم وهلاكهم؛ لكن في الأجل الذي حدده الله، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا).
بوَّب البخاريُّ في كتاب العلم: «باب الخروج -أي: الرحلة والسفر- في طلب العلم»، وأورد قصة موسى لما رحل إلى الخضر؛ ليطلب العلم منه، وكان الخضر بمكان يلتقي فيها بحران: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) أي: زمانًا طويلًا بحثًا عنه.
في قصة موسى والخضر جاء وصف رجوع الحوت إلى البحر في سياق إخبار الله (سَرَبًا)، وفي وصف الفتى: (عَجَبًا)، لعلَّ ذلك؛ لأن الوصف الأول هو وصف الله سبحانه للأمر، وخروج السمكة حية بعد أن كانت ميتة، ودخولها في البحر: أمر هين ويسير على الخالق، أما بالنسبة لمخلوق كغلام موسى، فإنَّه أمر في غاية العجب؛ لذلك قال: (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا).
في قوله تعالى: (آتِنَا غَدَاءنَا) دليل على اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو رد على الجهلة الأغمار، الذين يقتحمون الصحاري والقفار، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد.
عندما اختار الله معلما لنبيه موسى مدح هذا المعلم بقوله:(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، فقدم الرحمة على العلم؛ ليدل على أن من أخص صفات المعلم: الرحمة، وأن هذا أدعى لقبول تعليمه، والانتفاع به.
حكم عليه بعادة الخلق في عدم الصبر عما يخرج من الاعتياد، وهو أصل في الحكم بالعادة.
أين هذا الأدب من بعض الطلبة والسائلين الذين يظهرون ترفعًا واستغناءً عمن يسألونه بسبب تقارب السن، أو القرابة، أو لغير ذلك من الأسباب؟
عندما أمر الله رسوله -في سورة الكهف- ألا يقول لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا بعد أن يقول: إن شاء الله، بيَّن له القدوة في فعل أخيه موسى حين قال: (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّه).