قال الحسن البصري: من أحسن عبادة الله في شبيبته، أعطاه الله الحكمة عند كبر سنه، وذلك قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
"قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا " فإن قيل: إنما يُستعاذ بالرحمن من الشخص إذا كان فاجرًا، فأما إذا كان متقيًا فلا يكون محل الاستعاذة منه؛ لأنه لا يقدم على الفجور، والجواب عنه: أنَّ هذا كقول القائل: إن كنتَ مؤمنًا فلا تظلمني، يعني أنه ينبغي أن يكون إيمانُك مانعًا من الظلم.
لما قتل موسى القبطي قال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، قال ابن عطية: إن ندم موسى حمله على الخضوع لربه والاستغفار عن ذنب باء به عنده تعالى، فغفر الله خطأه ذلك، قال قتادة: عرف -والله- المخرج، فاستغفر.
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) أمر الله مريم -المرأة الضعيفة النفساء- بهزِّ جذع النخلة التي تثقل الرجال، والله قادر أن يكرمها برزق -كما في سورة آل عمران-؛ ليعلم الناس أهمية بذل السبب:
ولو شاء أن تجنيه من غير هزَّة جنته ولكن كل شيء له سبب.