(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) إنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)
قد يتسلط شيطان البشر على كل شيء فيك وكل شيء حولك إلا شيئًا واحدًا، إنه قلبك إذا اتصل بربك؛ فتأمل قصة آسية امرأة فرعون، وتأمل قول السحرة حين آمنوا: (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).
ومن أعجب ما ظاهِره الرجاء وهو شديد التخويف، قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)؛ فإنه علَّق المغفرة على أربعة شروط يصعب تصحيحها.
وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربِّه، وأنَّ رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها؛ ولهذا احتجَّ السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك، فقال: إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره.
لما قيل لموسى: (قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ) توجه إلى:
- قومه أولًا: (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا)؟!
- ثم نائبه في غيابه: (يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا)؟
- ثم صاحب الفتنة: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)؟ وإنما بدأ بهم في اللوم؛ لأن البالغ العاقل مسؤول عن نفسه، فليس يعذره قوةُ الإغراء، ولا تيسرُ أسباب الشر، فالتَّبعة عليه أولًا. والله أعلم.
إذا ضممت قوله تعالى: (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) إلى قوله سبحانه -لما ذكر جملة من الأنبياء ومنهم هارون-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ) (الأنعام:٩٠) تبيَّن لزوم إعفاء اللحية وعدم حلقها؛ لأنَّ هارون من الأنبياء الذين أُمر نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بهم، وأَمْرُه - صلى الله عليه وسلم - بذلك أَمْرٌ لنا.
النجاة والنصر بين (لَا) و (كَلَّا): لما خاف موسى من أعدائه المخالفين، قال له ربه: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا)، ولما قال بعض أصحابه: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ): قال: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).
فلا نجاة ولا نصر إلا بقول: لا للأعداء، وبقول: كلا لمن ضعف إيمانهم، أو أصابتهم حمى التخذيل، فالمخذلون -أحيانًا- قد يؤثرون أكثر من الأعداء! فتأمل هذا، ثم اقرنه بحديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم»
والهوى -نعوذ بالله منه- هو أول فتنة طَرَقَت العالم، وباتباع الهوى ضلَّ إبليس، وبه ضلَّ كثيرٌ من الأمم عن اتِّباع رسلهم وأنبيائهم، كما في قصص القرآن العظيم؛ ولهذا حكم الله -وهو أعدل الحاكمين- أنَّه لا أحد أضل ممن اتَّبع هواه، فقال سبحانه: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّه).
(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) يقول أبو علي الجذامي: مَن لم يردعه القرآنُ والموتُ فلو تناطحتِ الجِبالُ بين يديه لم يرتدع!