كان بعض الصالحين إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار؛ فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة، ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قاله ابن مسعود، وتلا قوله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا).
"ماذا لو قُدِّرَ لك أن تسمع هذا التوجع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)؟
قال ابن كثير: «وتركُ تدبُّرِه وتفهُّمِه من هجرانه».
"
تأمَّل ما في هذه الآية من سُنة المدافعة..؛ نعم: ادع الناس، لكن لا تتصور أنَّ الدنيا ستستقيم بدعوتك، فوالله لو أقام صالح في رأس جبل لقيض الله له من يعاديه في رأس الجبل.
قف مع هذه الآية متدبرًا متأملًا؛ لتدرك الخلل في مقاييس كثير من البشر، وأن الميزان القرآني هو المعتبر في تقدير عقل الإنسان قوةً وضعفًا، فبمقدار الالتزام بالشرع وسماع الحق، يكون تمام العقل أو نقصه.
هذه الآية في سورة الفرقان، وهي مكيَّة، ولم يشرع الجهاد بالسيف وقتها، فدلَّ أنَّ طلب العلم من سبيل الله؛ لأنَّ به قوام الإسلام كما أنَّ قوامه بالجهاد، فقوام الدين بالعلم والجهاد.
(وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) هذا من ألطف -أي: أدق- خطاب القرآن وأشرف معانيه، فالمؤمن دائمًا مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه، وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائه، والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه على ربه، وعبارات السلف على هذا تدور.
تدبر عملي: أطال عمر - رضي الله عنه - صلاة الضحى فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه! فقال: إنه بقي علي من وردي شيء، وأحببت أن أتمه -أو قال أقضيه-، وتلا هذه الآية: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا).
قال الحسن البصري: كلُّ شيء يصيب ابن آدم لم يدم عليه فليس بغرام، إنما الغرام اللازم له ما دامت السموات والأرض، فيا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة.
من عمق علم السلف بكتاب الله تنصيصهم على أنَّ حضور أعياد الكفار من جملة الزور الذي مدح الله عباد الرحمن بعدم شهوده، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)؛ لأن الزُّور هو كلُّ باطل من قول أو فعل، فهل يدرك الذين يشهدون أعياد الكفار -من أبناء المسلمين- أنَّ ذلك إثمٌ ونقصٌ في عبوديَّتهم؟