قال الإمام مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحًا، ويُرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله ولم يراء به وهو الثناء الصالح، وقد قال الله (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي).
من كذب برسول واحد، فهو مكذب بجميع الرسل؛ ولذا قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)، مع أنهم لم يأتهم إلا رسول واحد، ولكن كانوا مكذبين بجنس الرسل، ولم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه.
إن قلتَ: لو قيل: (أوعظتَ أو لم تعظ) كان أخصر، والمعنى واحد. قلت: ليس المعنى بواحدٍ، وبينهما فرقٌ؛ لأنَّ المرادَ سواء علينا أفعلتَ هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله ومباشرته، فهو أبلغ في قلَّة الاعتداد بوعظه من قوله: (أم لم تعظ).
(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) من عرف حقًا فلم يستجب له، فقد خضع صاغرًا لقوَّة الباطل؛ جزاءً لما وقع في قلبه من تعالٍ على الحق.
(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا) فإن الله تعالى آتى داود وسليمان من نعم الدنيا والآخرة ما لا ينحصـر، ولم يذكر من ذلك -في صدر الآية- إلا العلم؛ ليبين أنه الأصل في النعم كلها!
نملة هنا نكرة لم يقل (النملة)، فهي نملة نكرة حملت همَّ أمة فأنقذتها، أليس الخطر الذي يُهدد أُمَّتنا أعظم من الخطر الذي هدد نمل سليمان؟ كم مِنَّا من يحس بإحساس النملة ويسعى منقذًا لأمَّتِه؟
لم ينج الهدهد من وعيد سليمان، ولا تجرأ -مع ضعفه- على مخاطبة سليمان -مع قوته وسلطانه- بمثل هذا الخطاب: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ) لولا سلطان العلم.