قال ابن العربي: قال علماؤنا: يعني: الذين إذا قرؤوا القرآن؛ قرؤوه بقلوبهم قراءة فهم وتثبت، ولم ينثروه نثر الدقل؛ فإن المرور عليه بغير فهم ولا تثبت صمم وعمى عن معاينة ووعيده ووعده.
تأمل وجه إشارة القرآن إلى طلب علو الهمة في دعاء عباد الرحمن -أواخر سورة الفرقان- (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، ثم تأمل كيف مدح الناطق بهذا الدعاء! فكيف بمن بذل الجهد في طلبه؟ ثم إن مدح الداعي بذلك دليل على جواز وقوعه، جعلنا الله تعالى أئمة للمتقين.
كل هذا الفوز العظيم، وكل ذلك النجاح الكبير، عبر تلك الأشواط الشاقة، وعبر تلك المسافات الطويلة، إنما كان لهؤلاء السادة الكبار (بِمَا صَبَرُوا) نعم، بما صبروا!!
لما خُتمت سورة الفرقان بذكر جملة من أوصاف عباد الرحمن، كان من مقدمة وخاتمة وصفهم: «الدعاء»: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) (الفرقان: ٦٥)، (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: ٧٤) ثم ختم السورة ببيان حال من ترك الدعاء، وأن الرب لا يكترث به ولا يبالي بأي وادٍ هلك: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ).
خاف موسى أن يقتلوه به؛ فدلَّ على أنَّ الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله، وأن لا فاعل إلا هو، إذ قد يسلِّط من شاء على من شاء، ولكن هذا خوف طبيعي يدفع بالتوكل والعزم.
فإن قلتَ: ألم يكن (لأسجُنَّنك) أخصرَ من (لأجعلنَّك من المسجونين) ومؤديًا مؤداه؟ قلتُ: أما أخصر فنعم، وأمَّا مؤدٍ مؤداه فلا؛ لأنَّ معناه: لأجعلنَّك واحدًا ممن عرفتَ حالهم في سجوني!
قال تعالى في قصة أصحاب موسى: (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) فسماهم بالاسم الشريف:عبادي، فلما ضعف توكلهم ولم يستشعروا كفاية الله لهم، سلبهم هذا الوصف الشريف، فقال عنهم: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ).
من حكم الله البالغة ارتباط عاشوراء بابتلاءين: أحدهما قبل هذه الأمة، والآخر في صدر هذه الأمة، أما موسى فنجّاه الله بحسن الظن بربه، وقوة يقينه، والعمل الجاد: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ)، وأما الحسين فقضى الله في أمره ما قضى، فمن ظنّ أن نجاة الأمة بالأحزان واللطم على مصيبته، فقد أخطأ طريق الأنبياء! فما ثمة إلا اليقين، والفأل، مع العمل الدؤوب.
تأمل قوله تعالى: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)، فإذا كان الخليل طامعًا في غفران خطيئته، غير جازم بها على ربه، فمن بعده من المؤمنين أحرى أن يكونوا أشد خوفًا من خطاياهم.