(قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) هذه لطيفة؛ وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، والمعاصي والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذتهم لما استدركوا أبدًا توبة، ولا نالتهم مغفرة؛ فيسر الله عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم؛ ليكون ذلك أقرب إلى دخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم كلمة الإسلام.
وهذا من بديع صنع الله تعالى؛ إذ جعل للشيء الواحد أثرين مختلفين، فكان تخيل المسلمين قلة المشركين مقوِّيًا لقلوبهم، ومزيلًا للرُّعب عنهم، فعظم بذلك بأسهم عند اللقاء، وكان تخيل المشركين قلة المسلمين غارًّا إياهم بأنهم سينالون التغلب عليهم بأدنى قتال، ففجأهم بأس المسلمين.
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا) (الأنفال: ٤٦) هذه وصايا سماوية، وتعاليم من رب العالمين عظيمة، مَن أخذ بها ظفر، ومن تركها فشل وذهبت ريحه لا شكّ!
أمر الله بإعداد القوة للأعداء؛ فإن الله تعالى لو شاء لهزمهم بالكلام، وحفنة من تراب، كما فعل، ولكنه أراد أن يبلي بعض الناس ببعض، فأمر بإعداد القوى والآلة في فنون الحرب التي تكون لنا عدة، وعليهم قوة، ووعد على الصبر والتقوى بإمداد الملائكة العليا.
قال ابن عباس: إن النعمة تُكفر، والرحم تُقطع، وإن الله تعالى يؤلف بين القلوب، وإذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء أبدًا، ثم تلا هذه الآية: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ).
(إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) لم أشعر بحقيقةِ معنى هذه الآية كما شعرت بها وأنا في خندقي، أنتظر بشغف ملاقاة وحدات العدوِّ، وإني أقسم بالذي رفع السماء بلا عمد، لو علموا كيف تُحلِّق أرواحنا لقتالهم؛ لغاصت أقدامهم ارتعادًا وخوفًا من بأسنا.
(إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) فإذا أقبلت على الله تعالى بصدق نية، ورغبة لفهم كتابه باجتماع هم، متوكلًا عليه أنه هو الذي يفتح لك الفهم، لا على نفسك فيما تطلب، ولا بما لزم قلبك من الذكر، لم يخيبك من الفهم والعقل عنه إن شاء الله.
إذا رأيت تكالب الأعداء على أمَّة الإسلام، فتذكر قول ربِّك: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) «فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل به الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن يتم ويظهر».