إن هذه الدنيا: ارتفاع وانخفاض، امتلاء وفراغ، فقر بعده غنى، وغنى قد يأتي بعده الفقر، لا العالي يبقى فوق ولا الواطي تحت، ولا يدوم في الدنيا حال، (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).
لقد جمع النبي ﷺ الناس حوله على أنه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به عرفوه كذلك، فإذا مات عبد الله، بقيت الصلة الكبرى بالحي الذي لا يموت؛ فأصحاب العقائد الحقة أتباع مبادئ لا أتباع أشخاص.
يقاتلون مع الأنبياء، ويبذلون مهجهم في سبيل الله، إلا أنهم لم يغتروا بأعمالهم، بل يستشعرون تقصيرهم في حق الله مهما بذلوا، وهذا من أعلى مقامات العبودية، ومن كان شأنه دوام النظر إلى التقصير أكثر من النظر إلى الطاعة؛ فحري به أن يرتقي في درجات العبودية والتقوى.
المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب، والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) الأنعام:٨٢
حين تتذكَّر أنَّ هذا يوم نجَّى الله فيه نبيَّه موسى، وقتل فيه سبط نبيِّنا (الحسين ) كما أنَّه اليوم ذاته الذي أغرق فيه فرعون، وتسلَّط فيه الشقي قاتل الحسين، أيقنت أن (الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)، وأنَّه ليس للخلق من الأمر شيء؛ فلم يبق إلا الشكر على نجاة أنبيائه وهلاك أعدائه، والصبر على مصائبنا في أوليائه.
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ)، دلت الآية على أن لينه لمن خالفوا أمره وتولوا عن موقع القتال؛ إنما كان برحمة من الله، فالله حقيق بحمد نبيه إذ وفقه بفضيلة الرفق لأولئك المؤمنين، وحقيق بحمد أولئك المؤمنين، إذ كان لين رسوله إنما هو أثر من آثار رحمة الله.
التسابق للحصول على أعلى الدرجات في الامتحانات، واستغلال الأوقات، وحفز الهمم لبلوغ أعلى المناصب والمراتب، لا بدَّ أن يدفعنا لتنافس أكبر لنيل درجات أعظم ثمرتها ليست شهادة على ورق، بل جنة عرضها السماوات والأرض، بل لا ينبغي أن تقف آمالنا إلا عند الفردوس الأعلى، تأمل (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ).