س/ هل يمكن أن يكون لتفسير قوله ﷻ (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) وجه آخر غير ما قرره السلف بالنظر إلى الواقع المعاصر الحديث وهو أن البشر سيصلون بحضارتهم لدرجة أنهم يستطيعون فعل أي شيء في الأرض والتحكم بها! بقرينة عودة الضمير في (عليها) للأرض وليس النباتات؟
ج/ قال الله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) (يونس:24).
على تفسير السابقين فمعنى الآية:
يُخبِرُ تعالى أنَّ مَثَلَ زينةِ الحياةِ الدُّنيا، في سُرعةِ زَوالِها، كمَثَلِ مَطَرٍ أنزَلَه اللهُ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، فنبَتَ به أنواعٌ مِن نباتِ الأرضِ، اختلط بعضُها ببعضٍ، ممَّا يأكُلُه النَّاسُ والأنعامُ، حتى إذا ظهر حُسنُ الأرضِ بألوانِ النَّباتِ المُختَلِفةِ، وتزَيَّنَت بأنواعِ الحُبوبِ والثِّمارِ، والأزهارِ المتعَدِّدةِ الألوانِ والأشكالِ، وأيقَنَ أهلُ الأرضِ -الذين زَرَعوها وغَرَسوها- أنهم قادِرونَ على حَصدِ زَرْعِها، وقَطْفِ ثِمارِها؛ أتاها قضاءُ اللهِ بإهلاكِ نَباتِها، فصَيَّرَ تعالى النَّباتَ مَقلوعًا هالِكًا، كأنْ لم يكُنْ قائمًا على ظَهرِ الأرضِ مِن قَبلُ، كذلك يُفصِّلُ اللهُ الآياتِ لِقَومٍ يتفَكَّرونَ.
وفيها تشبيهٌ مركَّبِ؛ شُبِّهَت حالُ الدُّنيا في سُرعةِ تَقَضِّيها، وانقِراضِ نَعيمِها بعدَ الإقبالِ، بحالِ نَباتِ الأرضِ في جَفافِه وذَهابِه حُطامًا بعدَما الْتَفَّ وتَكاثَفَ، وزيَّن الأرضَ بخُضرتِه ورَفيفِه.
وهذه الآيةُ تتَنزَّلُ مَنزِلةَ البيانِ لقَولِه تعالى: (مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) المؤذِنةِ بأنَّ تَمتُّعَهم بالدُّنيا ما هو إلَّا لمدَّةٍ قصيرةٍ، فبيَّنَت هذه الآيةُ أنَّ التَّمتُّعَ صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأطنَبَت فشبَّهَت هيئةَ التَّمتُّعِ بالدُّنيا لأصحابِها بهيئةِ الزَّرعِ في نَضارتِه، ثمَّ في مَصيرِه إلى الحَصْدِ.
كما قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)
[الكهف: 45].
وقال سُبحانه:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [الزمر: 21].
وقال عزَّ وجلَّ: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
[الحديد: 20] .
وأما التفسير المعاصر (الإشاري/الاستنباطي):
فصحيح في ذاته وصحيح في قياسه وإشارته بشرط أن لا يبطل المعنى الأصيل.
وعليه يكون فيها اشارة للمغترين بالحضارة المادية الظانين أنهم ملكوا التصرف في الأرض: ببلوغهم درجات الزخرف والزين، فيغتروا بقدراتهم التكنولوجية والعلمية، ويعتمدوا على الأسباب المادية (التقنية، المال، القوة)، وينسوا القدرة الإلهية مما يؤدي إلى الدمار المادي أو المعنوي المفاجئ لهم.
س/ {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين}
قرأت في أحد التفاسير المعاصرة أنّ المقصود بالجمل حبال السفن هل هذا قول قديم.
ج/ حبل السفينة على قراءة: الجُمّل، بضم الجيم وتشديد الميم وفتحها، وهي قراءة شاذة، أما على القراءة المشهورة بفتح الجيم وفتح الميم وتخفيفها، فالمراد به الجمل الحيوان، وهو من باب تعليق الشيء بالمحال، أي: فكما أنه محال دخول الجمل في سم الخياط، فكذلك المكذبون بآيات الله محال دخولهم الجنة، والله أعلم.
س/ قصة استخلاف آدم عليه السلام ذكرت في سورة البقرة فقط فهل يصح أن نقول أن الاستخلاف تم بعد هبوط آدم إلى الأرض،
ومما يدل على ذلك أن الأسماء التي علمها الله لآدم هي لمسميات موجودة على الأرض؟
ج/ ظاهر القرآن يدل على أن هذا الحوار وذكر الاستخلاف وقع قبل خلق آدم ثم خلقه الله وأمر الله الملائكة بالسجود له قبل دخوله الجنة وقبل هبوطه للأرض. ثم تم الاستخلاف حقيقةً وواقعاً بعد الهبوط للأرض.
س/ هل جاء عن السلف تفسير آية: {ثمَّ استوى إلى السماء} بمعنى (قصد)؟
حيث أن ما جاء عنهم تفسيرها بمعنى (ارتفع) رغم عدم تعديته بـ (على)؟
أفيدونا مأجورين.
ج/ لم يختلف أهل العلم في أصل معنى جملة (استوى إلى) أنها تدلُّ على العلوِّ والارتفاع؛ ولكن اختلفوا في إضافة معنى القَصْد والعَمْد والإقبال إلى معنى العلوِّ والارتفاع في جملة (استوى إلى) في هذا الموضع وأشباهه على قولين، كلاهما لأهل السنة:
الأول: أن معنى (استوى إلى) علا وارتفع.
قال الطبري: (وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ [البقرة: 29] علا عليهن، وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات.
الثاني: أن معنى (استوى إلى) قَصَد وأقْبَل وعمَد.
قال ابن قتيبة: (وأما قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ فإنه أراد عَمَد لها وقَصَد، فكل من كان في شيء ثم تركه لفراغٍ أو غير فراغ، وعَمَد لغيره فقد استوى إليه)،
وقال ابن كثير: (أي: قَصَد إلى السماء، والاستواء ها هنا تَضَمَّن معنى القَصْد والإقبال؛ لأنه عُدِّي بإلى)
والراجح- والله أعلم - القول بأن المعنى المناسب لـ (استوى إلى) هو قَصَد وأقْبَل وعَمَد مع العلوِّ والارتفاع، وذلك لما يلي:
1- أن هذا التفسير مستفاد من أسلوب عربي، وهو التضمين
2- إن هناك فرقًا بين أهل السنة وبين أهل التأويل في هذا الباب، فأهل السنة لا ينفون المعنى الأصلي لـ (استوى إلى)؛ وإنما يُضيفون إليه معنًى جديدًا يُناسب حرف الجر (إلى)، فيكون المعنى أنه سبحانه ارتفع على السماء قاصدًا عامدًا.
بخلاف المؤولين فإنهم يقولون: استوى بمعنى (قصد) ويُزيلون معنى العلوِّ، وهذا ليس من طريقة أهل السنة.
3- إن من معاني (استوى إلى) في لغة العرب: أقبل وقصد .
قال أبو القاسم الأصبهاني عند تعداده لمعاني الاستواء: (ومنه الاستواء بمعنى القصد، ويستعمل مع إلى، يُقال: استويت إلى هذا الأمر، أي: قصدته؛ قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ [فصلت: 11]؛ أي: قصدها.
ولا يُقال: استوى عليه بمعنى: قصده، فمن خالف موضوع اللغة، فقد خالف طريقة العرب، والقرآن عربي، ولو كان الاستواء على العرش بمعنى الاستواء إلى العرش، لقال تعالى: إلى العرش استوى).
س/ روى الطبري في تفسيره بسنده عن محمد بن عليّ {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ} فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث:
أنْتَ يا عَليُّ وَشِيعَتُكَ».
ما معنى شيعته؟
ج/ قال الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن محمد بن عليّ {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} فقال النبي ﷺ: «أنْتَ يا عَلي وَشِيعَتُكَ».
والحديث موضوع ولا يصح إسناده هذا ولا غيره، لعلل منها:
محمد بن علي بن أبي طالب تابعي لم يُدرك النبي ﷺ، فالحديث مرسل.
وأبو الجارود الراوي عنه: هو زياد بن المنذر الهمداني الشيعي.
وقال أحمد بن حنبل: متروك.
وقال يحيى بن معين: هو كذَّاب، عدو الله، ليس يسوي فلسًا…
وتكلم فيه غيرهم.
وشيخ الطبري محمد بن حميد الرازي ضعيف.
س/ الشيخ مساعد الطيار يقول الطبري لا يتعامل في تفسيره بصحة وضعف بل كان يروي ولذلك يذكره وما تكلم فيه.
فكيف يذكر الاثر وهو موضوع؟
ج/ نص كلام الطبري :
"وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )
يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد, وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء, وأقاموا الصلاة, وآتوا الزكاة, وأطاعوا الله فيما أمر ونهى ( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية.
وقد: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا عيسى بن فرقد, عن أبي الجارود, عن محمد بن عليّ( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنْتَ يا عَلي وَشِيعَتُكَ".اهـ
فهل رأيت أنه اختار تفسيرها بالشيعة؟ أم بعمومها؟
هذا الحديث كما رأيت فيه علل كثيرة من أشدها أن زياد بن المنذر الكوفي رافضي روى مناكير في فضائل علي مثل هذه وهي لا تقبل منه فضلا عن ان بعض ائمة الحديث كذبه كيحيى بن معين.
واليه تنسب الزيدية الجارودية .
وفيه ايضا وعيسى بن فرقد يروي عن الكذابين والمتروكين،
وقد حكم بعض العلماء على الحديث بانه موضوع منهم شيخ الإسلام في منهاج السّنّة
وقواعد الحديث تقتضي ذلك.
ومما قاله ابن تيمية عن الجواب عن الحديث من الوجوه :
١-المطالبة بصحة النقل وان كنا غير مرتابين في كذب ذلك لكن مطالبة المدعي بصحة النقل لا يأباه إلا معاند ومجرد رواية أبي نعيم ليست بحجة باتفاق طوائف المسلمين
٢-أن هذا مما هو كذب موضوع باتفاق العلماء وأهل المعرفة بالمنقولات.
٣- أن يقال هذا معارض بمن يقول أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم النواصب كالخوارج وغيرهم
٤-أن يقال قوله أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات عام في كل من اتصف بذلك فما الذي أوجب تخصيصه بالشيعة ؟
٥-انه قال قبل ذلك أن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ثم قال أن الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية و هذا يبين أن هؤلاء من سوى المشركين و أهل الكتاب و في القران مواضع كثيرة ذكر فيها الذين آمنوا و عملوا الصالحات و كلها عامة فما الموجب لتخصيص هذه الآية دون نظائرها
…إلى آخر هذه الوجوه.
أما كون الطبري لم يضعفه فهو أيضا ذكره فقط و لم يرجحه بل رجح قولا غيره.
س/ ﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَالَّذينَ هادوا وَالنَّصارى وَالصّابِئينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم وَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾ [البقرة: ٦٢]
﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَالَّذينَ هادوا وَالصّابِئونَ وَالنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾ [المائدة: ٦٩]
ما الفرق بين الآيتين ولماذا تقدمت (الصابئون) على (النصارى) في المائدة؟
ج/ لعله كما الإسكافي في درة التنزيل أن التي في البقرة على ترتيب الكتب والثانية على ترتيب الأزمنة. والله أعلم.
س/ في سورة النساء في الآيات:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97).
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)
ذكر في الأولى أنهم في النار، وبعدها استثنى!
ما فهمت الآية كلها لا الأولى ولا الثانية، وما هي حكمة الله في قوله (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ...).
ولماذا قال لهم لما لم تهاجروا وبالثانية لم يقل لهم هذا سبحانه وتعالى...
ج/ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97).
يُخبِر اللهُ تعالى أنَّ الَّذين تَقبِض الملائكةُ أرواحَهم وهم ظالِمو أنفسِهم بمعصيةِ الله؛ حيثُ أقاموا في دار الكُفر، ولم يُهاجِروا فرارًا بدِينهم، مع أنَّهم لا يَستطيعون إقامتَه في تلك الدَّار، وهم قادِرونَ على الهِجرة، تقولُ لهم الملائكةُ حين قَبْض أرواحِهم موبخةً لهم: لِمَ بقِيتُم في هذا المكانِ وتركتُم الهِجرةَ؟ فأجابوا أنَّهم كانوا ضُعفاءَ، مقهورِين، ليس لهم القُدرةُ على الهجرةِ، فتقول لهم الملائكةُ حِينَها: قد كانتْ أرضُ اللهِ واسعةً فسيحةً، وقد كان بوُسعِكم الانتقالُ إلى أيِّ مكانٍ منها تستطيعونَ فيه عِبادةَ الله. ثمَّ يُبيِّن اللهُ تعالى أنَّ هؤلاء الَّذين ظلَموا أنفسَهم مَصيرُهم نارُ جهنَّمَ، وقَبُحتْ جهنَّمُ مآبًا ومرجعًا لهم.
ثم قال تعالى:
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)
استَثْنَى اللهُ تعالى الَّذين استُضعِفوا حقًّا وقُهِروا، رِجالًا ونساءً ووِلدانًا، فلمْ يَقدِروا على الهِجرة؛ لعجزِهم عن تدبيرِ حِيلةٍ تخلِّصُهم من المشركين، ولا يَعرِفون الطَّريقَ الَّتي يَنبغي المرورُ فيها للخروجِ من دار الكُفرِ إلى دارِ الإسلام، (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (99)
فأولئك وعَدَهم اللهُ بأنْ يعفوَ عنهم، ويتجاوزَ عن مؤاخذتِهم بترْكِ الهجرة، وكان اللهُ عفوًّا غفورًا.
س/ ما تفسير الآيات في سورة الأنعام عندما قال سيدنا إبراهيم (هذا ربي) يقصد الكوكب، وبعدها رأى القمر فقال (هذا ربي)؟
ج/ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) (74)
يقول تعالى: اذكرُ- يا محمَّدُ- حينَ قال إبراهيمُ لأبيهِ المُشْرِك: أتجعَلُ الأصنامَ آلهةً تَعبُدُها من دون اللهِ، إنِّي أراك وقومَك الذين يعبدونَ الأصنامَ في ضلالٍ بَيِّنٍ، وانحرافٍ واضحٍ عن الطَّريقِ المستقيمِ.
وفي قوله تعالى: (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِيْنٍ) دليلٌ على هِدايةِ إبراهيمَ وعِصمَتِه مِن سَبْق ما يُوهِم ظاهِرُ قولِه: (هَذَا رَبِّي) مِن نِسبةِ ذلك إليه على أنَّه أخبَرَ عن نَفْسِه، وإنَّما ذلك على سَبيلِ التنزُّلِ مع الخَصْمِ، وتقريرِ ما يَبني عليه مِن استحالةِ أن يكون متَّصفًا بصفاتِ المخلوقين.
(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75)
ثم يُخبِر تعالى أنَّه كما وفَّقَ إبراهيمَ في دِينِه، فهداه لتوحيدِه عزَّ وجلَّ، كذلك يُريه ما تشتَمِلُ عليه السَّمواتُ والأرضُ مِن مُلْكٍ عَظيمٍ وواسعٍ؛ ليستدلَّ بذلك على وحدانيَّة الله، واستحقاقِه وَحْدَه للعبادة، ولِيَكونَ من المُوقنينَ.
(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) (76)
فحِين أظلَمَ عليه اللَّيل رأى كوكبًا، فقال على وجه التنزُّلِ مع الخَصْم: هذا ربِّي، فلَمَّا غاب ذلك الكوكَبُ قال إبراهيمُ عليه السَّلامُ: لا أحِبُّ المعبودَ الذي يغيبُ وينصرِفُ عمَّن عَبَده،
(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77).
فلَمَّا رأى القَمَر في أوَّلِ طلوعه قال تنزُّلًا مع الخصم: هذا ربِّي، فلمَّا غاب قال إبراهيمُ: لَئِنْ لم يُوفِّقْني ربِّي لِلحَقِّ لأكونَنَّ من القومِ الضَّالِّينَ.
(فلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) (78) .
فلَمَّا رأى الشَّمْس في أوَّلِ طُلُوعها قال تنزُّلًا: هذا الطَّالِعُ ربِّي، وهو أكبرُ من الكوكَبِ والقمرِ، فلَمَّا غابت الشَّمْس قال إبراهيم: إنِّي أبْرَأُ من كلِّ ما تعبدونَه مع اللهِ،
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79)
إنِّي أخلَصْتُ قَصْدي، وأَفْرَدْتُ العبادةَ لله الذي أبدَعَ السَّمواتِ والأرضَ على غيرِ مثالٍ سابقٍ، مائلًا عن الشِّرْك، مستقيمًا على التَّوحيدِ، وما أنا مِن المشْركينَ مع الله تعالى غَيرَه.
والخلاف في قول إبراهيم عليه السلام ( هذا ربي ) في المواضع الثلاث يعود إلى قولين:
القول الأول:
إنه كان ناظراً – أي معتقدًا بأن الكوكب ربه – وفيه عدة أوجه: ناظراً بعد بلوغه أو حال طفولته أو أثناء البلوغ أو قبل الوحي أو كان ناظراً فيما سبق إلى وهمه وغلب على ظنه، أو نظر إلى ضوء الكوكب فظن أنه ربه، أو أنه تنقل في مراتب الاستدلال،
والقول الثاني:
إنه كان مناظرًا لقومه، وفيه أوجه كثيرة واضحة منها:
مناظراً بأسلوب الاستدراج،
أو بأسلوب التنزل والمحاجة لقومه.
أو المكره على ذلك،
أو مناظراً بأسلوب التعريض،
أو مناظراً بأسلوب تمهيد الحجة،
أو على سبيل الوضع والفرض،
أو بأسلوب الاستفهام والإنكار،
أو بأسلوب إضمار القول،
أو بأسلوب الاستدلال على وجود الإله،
أو بأسلوب الاستهزاء،
أو بأسلوب التأمل.
وهذا هو الصحيح أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك مناظرًا لا ناظرًا.
(مقررا للتوحيد لا باحثا عنه)
والأدلة على ذلك كثيرة جدا ومن أبينها:
أن الله تعالى نفى أن يكون إبراهيم عليه السلام أشرك في قوله: (وما كان من المشركين) في عدة آيات، ونفي الكون الماضي يستغرق جميعه.
فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوما ما.
وسياق هذه الآيات في الأنعام ظاهر أنها كانت بعد نبوته ودعوته قومه الى التوحيد فهو إمام فيه قبل القصة.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى:
"...ومن المحال الممتنع أن يبلغ أحد حد التمييز والكلام بمثل هذا.. وقد أكذب الله عز وجل هذا الظن الكاذب بقوله الصادق:
(ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل..)
فمحال أن يكون من آتاه الله رشده من قبل، يدخل في عقله أن الكواكب ربه...
والصحيح من ذلك: أنه إنما قال ذلك موبخا لقومه كما قال لهم نحو ذلك في الكبير من الأصنام، ولا فرق...."
الفصل 4 / 17
س/ ما السبب لغضب الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل لعدم صبرهم على طعام واحد مع أن الكثير من الناس اليوم ينوعون بين المآكل والمشارب ويسأمون إذا استمروا على الطعام الواحد؟
أرجو ذكر بعض الفوائد من هذه الآية من فضلك.
ج/ ليس السبب لغضب الله سبحانه وتعالى على بني اسرائيل ماقلتم من عدم صبرهم على طعام واحد يتبين ذاك بقراءة الآيات.
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (61).
(اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ).
أي: هذه الأطعمةُ التي طلبتُم ليستْ بأمرٍ عزيز، بل هي كثيرةٌ؛ ففي أيِّ بلد دخلتموه ستجدون هذا العيشَ الذي تطلُبون.
ثم قال تعالى:
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ الله) أي: أصبح الهوانُ والصَّغار مفروضًا عليهم، وأصبح أثرُ مسكنة الفقر والحاجة والحِرص -من المهانة والخضوع على قلوبِهم، أو ظواهر أبدانهم- لازمًا لهم، كما أنَّه قد حلَّ عليهم غضبٌ من الله تعالى، ورجَعوا متحمِّلين سخطَ الله تعالى عليهم.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
أي: هذا الذي جازيناهم من الذِّلَّة والمسكَنة، واستحقاقهم غضبَ الله عزَّ وجلَّ؛ بسبب جحودِهم آياتِ الله تعالى الكونيَّةَ والشرعيَّة، فاستكبروا عن اتِّباع الحقِّ، واعتدَوْا على أنبياء الله تعالى بالقَتْل بلا وجه حقٍّ يخوِّل تلك الأفعالَ الشَّنيعة.
(ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).
أي: ذلك الجزاء الذي جُوزوا به، مِن ضَرْب الذِّلة والمسكنة، وإحلال الغضبِ عليهم، أو ذلِك الكفر بآيات الله عزَّ وجلَّ، والقتْل لأنبيائه، إنَّما سببُه هو عصيانُهم لله تعالى، أي: خروجهم عن طاعته؛ إمَّا بارتكاب المحظور، وإمَّا بترْك المأمور، ومِن أسباب ذلك أيضًا استمرارُهم على تجاوُز حدود الله تعالى.
ومن الفوائد من هذه الآية:
أنَّ اختيار الأفضل من المآكِل، والمشارب، لا ذَمَّ فيه إذا لم يصِل إلى حدِّ الإسراف.
وغَطرَسةُ بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ؛ ولم يقولوا: (ادع لنا ربَّنا)، أو: (ادع لنا الله)؛ كأنَّ عندهم- والعياذ بالله- أَنفَةٌ، مع أنَّهم كانوا مؤمنين بموسى، ومع ذلك يقولون: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ، كما قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون) [المائدة: 24].
س/ هل هناك لمسات بيانية في سورة القمر
من تقديم (فكيف عاد عذابي ونذر) على (إنّا أرسلنا عليهم)؟
{فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)}
ج/ اللمسات البيانية هي طيف من النظر العقلي تختلف فيها أنظار المتبصرين ،ويمكن أن يقال أن هذا التقديم هو وعيد عام ثم أعقبه بالعقوبة الخاصة، ودعوة للتأمل في بناء التصور قبل حدوث التصوير والمشهد.
والله أحكم.