﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ، ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾
• آية ﴿البقرة﴾ جملة اسمية مكونة من مبتدأ مؤخر (غشاوة) وخبر مقدم (على أبصارهم).
• وآية ﴿الجاثية﴾ جملة فعلية مكونة من فعل (جعل) وفاعل مستتر، ومفعول به (غشاوة).
ومن المقرر في قواعد العربية:
أن الجملة الاسمية أكد وأقوى من الفعلية، وهذا يدل على نكال الله بالكفار والمنافقين في سورة البقرة للجرم الذي اقترفوه .
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾
وصفهم بالمفسدين بعد أن ادّعوا الإصلاح، والإصلاح نقيضه الفساد ، فهم لا يستشعرون هذا فيهم وهذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان، فهم لم يألوا جهدًا في محاربة الإسلام، بل ويرونه إصلاحًا.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾
وهنا وصفهم بالسفهاء - والسفه هو الحمق - كما في قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} أي الحمقى {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} أي حمق فلمّا رموا المؤمنين بهذا الوصف، نفى عنهم العلم ذمًا وقبحَا لهم.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾
الآية في شأن المنافقين الذين أرادوا أن يستنيروا بنور الله تعالى فقال في الفاصلة {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} لماذا {لَا يَرْجِعُونَ} لأسباب منها :
١- أولاً اجتمعت فيها صفات {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} فهم مقطوعون عن العالم الخارجي لهم، فكيف {يرجعون} وهذا حالهم! فلا أحد يستطيع أن يرجع لهم هذا النور.
٢- ثم إن الله تعالى قال فيهم {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} الترك في اللغة يقتضي عدم الرجوع للشيء، فكيف {يرجعون}!
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
الآية في شأن طائفة من اليهود دعاهم الرسول (ﷺ) إلى الإسلام فقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. والآية بعموم اللفظ فشبههم الله تعالى في هذه الآية بقطيع الأغنام التي يناديها الراعي فتسمع صوته لكن لا تستجيب ولا تعقل ما يقال لها فقال في الفاصلة {لَا يَعْقِلُونَ} لماذا؟
١- هؤلاء جمعوا صفات عزلتهم عن غيرهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} ومن كان هذا حاله {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} قطعًا.
٢- ثم إنهم رضوا بما ألفوا عليه آباءهم والفعل {ألفى} لا يأتي إلا في سياق الذمّ، ولا أشد من ذمهم بقوله تعالى: {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} فأصحاب هذه الآية أشد ذمًا من غيرهم، فالذي لا يعقل لا يرجع!
﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾
- مرتين في القرآن، في سور مدنية هي البقرة والحج، والخطاب فيها يخص المؤمنين.
- أي اعبدوا الذي رباكم وهداكم وعلمكم؛ لأن الرب هو الهادي للأخلاق الحميدة الفاضلة في البقرة: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}، في الحج: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}.
- أما {اعْبُدُوا اللَّهَ} سبع عشرة مرة في القرآن في المكي والمدني، والخطاب عام، و أكثره للكفار الذين اتخذوا آلهة من دون الله أي اعبدوا المعبود الحق، الذي يجب أن تصرف له العبادة كلها، وقلّ أن يكون للمؤمنين كما في النساء: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}.
﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ ، ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾
- في البقرة ذكر {رغداً} وهو العيش الواسع الوفير، وهذا للتكريم والرضا، وناسب ذلك {حيث شئتما} فالأكل مفتوح من جميع الأصناف ولم يقيده بلفظ {من} لم يقل: من حيث .. وهذا فيض من الله تعالى ومنّة.
- في الأعراف لم يذكر الرغد قال {فكلا من حيث شئتما} لأنه لا ينسجم مع سياق الغضب والعتاب، حيث إن آدم عصى ربه وجاء الأكل مقيدًا بـ {من} لدلالة التحديد بخلاف ما جاء في البقرة
وبصورة عامة ما في (البقرة) تكريم ورضا؛ لطاعتهم في أول الأمر، وفي (الأعراف) عتاب وغضب.
﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ ، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾
الاتباع: هو الاقتفاء التام في كل شيء.
- الفعل {اتّبع} أشد من {تبع}
لأن في طه قوله تعالى: {فوسوس إليه} أشد من {فأزلهما} في البقرة.
فأمر الله تعالى بشدة الاتباع في طه أكثر من ما في البقرة.
- أيضًا في طه {اتّبع} مضعّف ففيه طلب شدة الاتباع .
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ ، ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾
هاتين الآيتين تيئيسٌ للقتلة من بني إسرائيل من دخول الجنة فمهما توسط الشفعاء وهم رسلهم، أو قدموا من العدل وهو الفدية ليفتدوا بها لن يدخلوا الجنة، ما لم يتبعوا النبي (ﷺ).
طريقتان للقتلة حتى ينجوا من جريمتهم:
١- إرسال الشفعاء، فإذا لم ينفعوا، يقدم عدلاً وهو الفدية وهذا معنى الآية الأولى.
۲- يقدم عدلا وهو الفدية، فإذا لم يفد، أرسل الشفعاء، وهذا معنى الآية الثانية.
وكلتا الطريقتين لن تنفعهما ما لم يؤمنوا بالنبي (ﷺ).
﴿بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾
الوحيدة في القرآن بزيادة {من} وهي مدنية.
والبقية {مثله}:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]
﴿عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]
هذه الآيات المكية قصدت بعض سور القرآن، وقررت عدم المثيل للقرآن. أما آية المدينة بزيادة {من} استغرقت جميع آيات التحدي المكية وزيادة، وافترضت وجود المثيل، لكن محال الاتيان به. فـ {من} ابتدائية، ليعلم أن التحدي من أول القرآن حتى آخره. وقيل {من مثله} أي من مثل الرسول (ﷺ).
وسوف أوضح الآيات المكية:
أما آية الطور: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} فهذه أول آية نزلت في التحدي والنزال البياني والآية تطلب حديثاً مثيلاً، أيًا كان هذا المثيل {بحديث مثله} والمثيل ما دون الأصل، ومع ذلك عجزوا، وقوله تعالى: {إِن كَانُوا صَادِقِينَ} إشارة إلى استحالة الاتيان بالمثيل.
وأما آية يونس فطلبت سورة واحدة: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} والمراد بالسورة هي سورة يونس، وقد تكون أي سورة، فآية يونس وسعت دائرة التحدي عن آية الطور ودعت كل من يستطيع لذلك دون استثناء! {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم} وأما آية هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} فزادت في التحدي والنزال البياني فطلبت عشر سور .. قال أهل العلم: والمراد بهن سورة الفاتحة حتى يونس هذه عشر سور وإمعانا في التحدي جاء الوصف بـ {مفتريات} فلا يهم الصدق من الكذب فيهن! ودعت المستطيع لذلك.
أما آية الأسراء: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} هذه الآية دعت الثقلين للتحدي في البيان، والإنس هم المقصودون به في الدرجة الأولى لأنه ميدانهم الفسيح واختصاصهم، والآية نفت نفياً قاطعًا {لا يأتون} فتأمل !.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ﴾
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾
هذا امتداد للسياقين يعزز ما وقفنا عليه
- ففي سياق التكريم وإفاضة النعم الشرب والأكل مفتوح.
- وفي سياق العتاب واللوم حدد لهم مكان الشرب {مشربهم} فليس مفتوحاً، وإنما لكل سبط مشرب محدد.
هذا التباين في الخطاب القرآني، يعطينا وجوهًا وصورًا من حال بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، ويظهر تمردهم وعصيانهم لأنبياهم بصورة عامة. علاوة على هذا هو لون من ألوان البيان، واستعراض لأساليب العربية وتحدٍ لأرباب الفصاحة وصناع الكلام في الجزيرة العربية.
﴿رَغَدًا﴾
{الرغد} جاء ذكره في البقرة في قصتي آدم وزوجه عليهما السلام، وقصة بني إسرائيل وهذا كله مقام تكريم ورضا وإفاضة نعم من الله تعالى، ولم يذكر في الأعراف في تلك القصتين لمقام العتاب واللوم والسخط ووقوع العصيان منهما. والله أعلم بمراده.