(یُؤۡتِی ٱلۡحِكۡمَةَ مَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِیَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا).
• علق مالك: (وإنه ليقع في قلبي أنّ الحكمة: الفقهُ في دين الله، وأمْرٌ يُدخِلُه الله القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنّك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتَجِدُ آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالِمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إيّاه، ويَحْرِمُه هذا؛ فالحكمة: الفقه في دين الله)،
وفي نهاية الحموية وصف شيخ الإسلام المتكلمين:
(أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.
"وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"
قال ابن تيمية: «ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين؛ لا على وجه القدح فيه، ولا على وجه المتابعة له فيها؛ فإن في ذلك ضربا من الطعن في الأئمة، واتباع الأقوال الضعيفة.
وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد».
«مجموع الفتاوى» ١٣٧/٣٢.
هذا الذي قرره الشيخ من تعظيم حرمات الله وحفظ دينه، وحفظ مكانة العلماء؛ إذ نسبتها لهم ونشرها للعامة تجر إلى الطعن فيهم والنفرة عنهم وازدرائهم..
فهذا المعنى ينبغي أن يعيه من يفرح بالغريب الشاذ من العلم وزلات العلماء، ويبادر بنشره في المجالس ووسائل التواصل لغرض أو آخر.
"قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ"
• قبل عقود طويلة وفي بدايات معرفتي لأهل الخير والعلم والدعوة عرفت رجلا صالحا فاعلا في أبواب كثيرة من أبواب الخير يعلم ويدعو ويربي ويساعد الناس
ذهبت إليه كما يذهب الناس ولقيته وتحدثت إليه
لم تطل حالة الوحشة المعتادة مع المعارف الجدد
فقد ولجت إلى عالمه المشرع الأبواب
بل قل عالمه الذي لا يعرف الأبواب
ودهشت من نفسي بعد؛
أني حدثته ذات مرة عن بعض معاناتي التي لم أكن أبوح بها إلا لأقرب قريب.
وأتساءل الآن عن السر الذي دفعني للحديث مع غريب في مقياس الزمن
عن مشاكلي وهمومي
لماذا ننساب بسرعة للتواصل مع هذه الشخصيات ونشعر بالأمن في عالمها؟
لقد مرت بعدها سنوات طويلة عرفنا خلقا كثيرا من الأخيار والصالحين والدعاة والمربين والعلماء وانتفعنا بهم
وفي كل اللحظات تبقى سياجات تفصلنا عنهم
سياجات على ضفتنا أو ضفتهم
حزام من الوحشة نطوق به أنفسنا أو يطوقون به أنفسهم..
وعودة إلى صاحبنا نتلمس السر هناك
وأراه والله أعلم
أنه كان رجلا يشبهنا مثلنا
مثل مشاعرنا وآلامنا وأشواقنا
لم يكن يصطنع مشاعر تليق بمكانته الدعوية أو الاجتماعية
بل يتشبث بهذا الشبه بنا
ربما يمسك به عفوا من غير كلفة
لكنه ظل كذلك رافضا لأي خيوط تنسج حوله
كبرنا...ونسينا درس الداعية الذي يشبهنا
وتوهمنا أن يجب أن تكون مختلفين
ولو لم يكن الاختلاف مبررا ولا حاجيا
وتأثرنا بصور آخرين لهم عالم خاص
واستهوتنا رمزيتهم الاجتماعية وشرعنا في بناء الحيطان حول حياتنا
وقلنا بلسان حالنا
لسنا سوى هذا الصورة الذي ترونها في المسجد والدرس والمنبر
لكن الحقيقة لم تكن كذلك
كما علمنا الداعية الذي يشبهنا
لقد نسينا أن أهم أسرار تأثيرنا في الناس
أننا نشبههم أننا مثلهم
لنا أطماع وأشواق
وأننا نتعثر ونخفق
ونثور ونغضب ونكون حمقى في مواضع كثيرة
ونحزن ونبكي كالأطفال ونضعف وننهار
ليس هذا عيبا بل هو سرنا للتفاعل معا للتقارب والتراحم والأنس
التميز ينتزعنا
يلقي بنا خلف أسوار الحياة
امتن الله على أمة محمد بقوله سبحانه
(لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ بَعَثَ فِیهِمۡ رَسُولࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ......)
وقال تعالى:
(قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ....)
قال عبد الله بن عباس: علَّم اللهُ رسولَه التواضعَ لئلا يزهو على خلقه، فأمره أن يُقِرَّ فيقول: إني آدمي مثلكم، إلا أني خُصِصْت بالوحي.
نفقد ذواتنا حين نمتاز عن الخلق وليس حين نشبههم
كما نحب الذي يشبهوننا
يحب الناس من يشبههم
الشبه معنى عميق هو الصدق نفسه
الداعية الذي يشبهنا
أبقى على روحه مثلنا
لأنه لم يتطلع يوما أن يكون غيرنا...
البشر في مدار واحد في الحياة يلتقطون الذبذبات من نفس المدار
حين تغير المدار ينقطع الاتصال....
(إنما أنا بشر مثلكم)
الكفاح للحفاظ على هذا التماثل رحلة صعبة لا يطيقها إلا داعية يشبهنا.
وليس في التاريخ قصة نجح إنسان رغم كل أسباب العظمة في الاحتفاظ بها
كقصة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
سيرته تختصر المعنى الذي أردت بيانه.
حياته المفتوحة للعالم بكل تفاصيلها كانت مقصودة لترسيخ معنى
(إنما أنا بشر مثلكم)
لا شيء خلف الحيطان والستر
"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا"
ذهبت إلى الصناعية لإصلاح عطل مزمن في مكيف السيارة تناوبت على محاولة إصلاحه أيد كثيرة وفي كل مرة يعود العطل بلافائدة
يضيع الوقت والمال والجهد وخفي حنين أيضا
وفي الطريق دعوت الله أن يهديني لورشة تصلحه وأن ييسر إصلاحه
وتأملت في الطريق معنى سؤال الهداية والسداد
وفاقتنا واضطرارنا لهذه الهداية
وأننا إليها أشد ضرورة من الطعام والشراب
إلى الصناعية أذهب حيث عشرات الورش والعاملين وقطع الغيار
فيهم الصادق والكاذب والأمين والغاش
وفيهم الماهر والجاهل
في أي ورشة أوقف سيارتي؟
وهل سأضيف ورشة أخرى من التعب؟ وضياع الوقت
وأين قطع الغيار الصحيحة؟
وهذا يقول: أصلي وتجاري وصيني
ولا أميز هذا من ذاك.
ولا أعرف قيمتها ولا أجرة العمل العادلة...
وفي بحر لجي من الناس والمراكب والمحلات والضجيج
استشعرت فاقتي للهداية وانكساري في هذه الشمس الحارقة ونحن قبيل العصر
لا أعرف أحدا هنا
استشيره أو أسأله
يارب اهدني
توقفت أمام ورشة وشرحت له المشكلة
وسمعت الأذان
فذهبت للصلاة وعدت
وأعطيته قطعة غيار طلبها من المحل المجاور
في خمس دقائق على الأكثر
والمكيف بفضل الله يعمل كما كان جديدا
وطلب ثلاثين ريالا فقط.
خرجت أحمد الله وألوم نفسي
كم هي مشاوير الحياة التي نقطعها بلا سؤال الهداية
قبل الخروج نضع موقعنا المقصود على الخرائط
لكن هل هذا كل شيء
كلا
آلاف الخيارات في طريقك والمتاهات في مشوارك
والحلول المتناقضة
من يهديك إلا الله
قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُلْ: اللهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَاذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَ السَّهْمِ»
"وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ"
• نعم هذه صورة من صور العفو ومن أكملها وأعظمها أجرا
لكن قول بعضهم إن العفو لا يكون محمودا إلا عند المقدرة خطأ.
ولتوضيح ذلك بأن يقال:
أولا:
كل من وقع عليه ظلم أو خطأ فهو في حقيقة قادر على الانتصاف من ظالمه فإن عجز عن ذلك في الدنيا فإن الله ينصفه في الآخرة فإذا عفا أسقط حقه مع قدرته عليه.
ثانيا:
أن من وقع عليه الخطأ قادر على الدعاء ودعوة المظلوم لا ترد فإذا عفا وترك الدعاء كان عافيا ومحسنا.
ثالثا:
أن من وقع عليه الخطأ يمكنه الشكوى والخصومة في القضاء وإتعاب خصمه ولو بمشاكل التقاضي مهما كان ضعيفا وتركه لكل ذلك من العفو والإحسان.
رابعا:
أن الله تعالى ندب إلى العفو وأثنى على العافين دون تقييد ذلك بشرط القدرة على الانتقام الدنيوي فقال سبحانه:
(والعافين عن الناس)
وقد قال صلى الله عليه وسلم بعد أذية المشركين وفي أحوال غلبتهم (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
{ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ }
"وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ "
• يتداول الناس مقاطع لبعض المريدين للخير
يقول فيها (وغالبهم ليسوا من أهل العلم):
الحمد لله حصلت من الحسنات كذا وكذا
وبلغت كذا مليون حسنة بقراءة القرآن
وبعضهم يقول مرغبا قاطعا
إذا تصدقت على هذا اليتيم
فأنت ترافق الرسول صلى الله عليه وسلم
ونحو ذلك
ويستدل بنصوص صحيحة...
ولكن:
نصوص الوعد مثل نصوص الوعيد
تحققها في المعين يشترط له شروط وانتقاء موانع.
فتعلم نصوص الترغيب للناس كما علمها الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقة ...دون قطع لمعين بها.
مع الدعاء والرجاء والخوف من الرد وعدم القبول
والتحذير من محبطاتها من الرياء والعجب.
"وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ"
• في زمن الصورة والانفتاح على جماليات القصور والحدائق والإطلالات الشاهقة والضفاف البديعة...
في عصر الزوايا والأبعاد الثلاثية والرباعية حيث الصور من كل الجهات من السماء والأرض....
في زمن الاحتفاليات والتوثيق والإضاءة والفلاتر
حيث شغف الفطر بالجمال ورؤيته والارتواء منه...
يقف المؤمن عند قول ربه تعالى واصفا جمال الجنة ...
(وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا)
قوله تعالى (ثم) أي هناك
وقدم الظرف للاختصاص
أي هناك فقط
وكأن كل ما شاهدته العيون هنا لا يستحق الذكر والرؤية هناك فقط ترى النعيم الحقيقي والملك الكبير.
هناك فقط
يصبح للقصر
للأثاث
للفرش
للنور
للثياب
للأزياء
للحدائق
للحلي
للنهر
للبحر
للضفاف
للؤلؤ للذهب
للألوان
للجمال ....معنى...
"وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا"
*أغمض عينيك قليلا*
تخيل أنك في الآخرة
تخيل كل هؤلاء البشر
البشر الذين تراهم حولك بأعيانهم
تخيل هؤلاء المرحين بالثياب والعقل والعمائم، المتكئين على الفرش والأرائك
الملتفين حول الأطعمة والموائد
القادمين الوافدين بالأهازيج والأشعار
تخيلهم هم أنفسهم حفاة عراة بهما
تخيلهم بعد أن نزعت منهم الثياب والبيوت و المراكب والمتاصب والأنساب
تخيل أنفاسهم اللاهثة حولك
لا جوالات ولا تواصل ولا حفلات
ليس لهم شغل بمزرعة ولا بناء ولا وظيفة ولا زواج ولا دراسة ولا كاميرات ولا صور ولا مديح
قد انطفأت البسمات من وجوههم
ورحلت الضحكات من أفواههم
وشخصت منهم العيون وذلت الأعناق
يكتظ بهم المكان
ويغشاهم الخوف والرعب والصمت
وقد علقت أنفسهم بهمّ واحد
*أين المصير*
"وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه"
عندما يلقاك أحدهم بالتبجيل والتوقير
والمحبة والاحتفاء، ليس لأنك بالضرورة أسديت له معروفا؛
فربما لم يقرأ لك حرفا، ولم يفد منك علما
ولم يسمع منك درسا
لكن الله تعالى بفضله، عاملك بجُوده،
حين أثنيت على ربك يوما في محاضرة أو خطبة أو درس، فبث محبتك في قلب بعيد
وجمّلك عند خلق لا يعرفونك، ونشر لك الذكر الحسن
فلا تعجب من نفسك
وتأمل لعظيم كرم الله عليك.
"فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ"
تُرى لو بلغك أن صديقا لك أثنى عليك في مجلس أو مجلسين
تأمل! هذه.
في كل يوم تطلع فيه الشمس، يقول الله تعالى عنك
يزكيك:
يقول تعالى:
حمدني عبدي
أثنى علي عبدي
مجدني عبدي
ليس مرة ولا مرتين
سبع عشرة مرة مع كل فاتحة؛
لو اقتصرت على الفرائض.
فلو صليت معها الرواتب والضحى وأدنى الوتر
لذكرك بالثناء ٣٤ مرة في اليوم.
فما ظنك برب يذكرك بالجميل
٣٤ مرة في كل يوم
بل في كل مرة ينوه بك ثلاث مرات
حمدني عبدي
مجدني عبدي
أثنى على عبدي.
تأملها بقلبك
هل من أصفيائك وأحبابك وأخص أوليائك
من يجري اسمك جرياتا فضلا عن الثتاء
مائة مرة في اليوم.
فكيف لو أنك من الذاكرين
فذكرت الله في مجلس مرة أو مرتين
لذكرك الله في الملأ الأعلى
ولو ذكرته في نفسك ذكرك الله في نفسه تعالى
فما حالك وأنت تذكر الله بعد الصلوات
وطرفي النهار، وعند خروجك ودخولك وطعامك ولباسك، وحزنك وفرحك
ثم ماذا لو كنت من أهل القرآن.