عرض وقفات تذكر واعتبار

  • ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴿١٠١﴾    [يوسف   آية:١٠١]
توفني مسلما... ( رَبِّ قَدۡ ءَاتَیۡتَنِی مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِی مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِیِّۦ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ تَوَفَّنِی مُسۡلِمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّـٰلِحِینَ) أكثر المفسرين على أن يوسف عليه السلام سأل ربه الموت منجزا وهو المروي عن ابن عباس من طرق ومجاهد وقتادة وابن إسحاق وابن عيينة ومقاتل بن سليمان..... وعباراتهم متقاربة وهذه عباراتهم... قال ابن عباس رضي الله عنهما من طريق مجاهد: اشتاق إلى لقاء الله، وأحبَّ أن يَلْحَق به وبآبائه، فدعا اللهَ أن يَتَوَفّاه، وأن يُلْحِقَه بهم، ولم يسأل نبيٌّ قطُّ الموتَ غيرُ يوسف قال قتادة : لما جمع ليوسف شمله، وتكاملت عليه النعم سأل لقاء ربّه..... وقال مجاهد: أن يوسف النبي ﷺ، لما جمع بينه وبين أبيه وإخوته، وهو يومئذ ملك مصر، اشتاق إلى الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق... وقال ابن إسحاق: قال يوسف حين رأى ما رأى من كرامة الله وفضله عليه وعلى أهل بيته حين جمع الله له شمله، وردَّه على والده، وجمع بينه وبينه فيما هو فيه من الملك والبهجة..... قال مقاتل بن سليمان: فلمّا جمع الله ليوسف شَمْلَهُ، فأَقَرَّ بعينه وهو مغموسٌ في المُلْكِ والنِّعمة؛ اشتاق إلى الله وإلى آياته، فتَمَنّى الموت. وقال بعضهم إنه سأل ربه الصفة أي أن يموت مسلما حين يأتي أجله وهو مروي عن الضحاك بن مزاحم. واستشكال المتأخرين بسبب ما ورد في شرعنا من النهي عن تمني الموت وقد أجيب عن ذلك بأجوبة بعضها من جهة النهي وهو أنه خاص بمن تمنى الموت ضجرا وجزعا بسبب الضر الذي نزل به. وأجوبة أخرى من جهة يوسف عليه السلام وأن هذا كان سائغا في ملتهم وشرعهم أو أنه قال ذلك عند احتضاره أو أنه سأل الصفة وهي الموت على الإسلام واختار هذا الأخير ابن تيمية وابن عطية رحمهم الله. وليس هذا محل البحث عن أحكام تمني الموت ولكن تفسير هذه الآية من المواطن الكثيرة التي عظم فيها منهج مفسري السلف في قلبي  مع أن  تفسير هذه الآية من المواطن التي يسوغ فيها الخلاف لورود قول آخر عن السلف واختيار هذا القول من أئمة محققين معتبرين كابن تيمية وابن عطية وغيرهم رحمهم الله جميعا ولكن جمهورهم على القول الأول. وقد بينوا وجهه بقولهم إن يوسف عليه السلام لما رأى تكامل النعمة عليه في الدنيا اشتاق إلى ربه عز وجل. قلت: وهذه فطرة النفوس التواقة التي لا تزال تطمح للمراتب العالية والمنازل الرفيعة. ومنها أن يوسف عليه السلام لما رأى تكامل النعم الدينية والدنيوية في حياته وأيقن أن الذي أعطاه إياه إنما هو ربه اللطيف الكريم الوهاب اطمأن إلى آخرته واشتاق إليها ولذا قال ( أنت وليي في الدنيا والآخرة) ومنها أنه قد جرت سنة الله تعالى في الدنيا أن كمالها يعقبه النقص وسرورها يتلوه الحزن وجمعها يلاحقه الفقد والفراق فسأل الله تعالى أن يتوفاه في كمالات النعمة قبل زوالها. وهو النبي الذي مرت به آلام الظلم والغربة والرق والسجن والأحزان. ومنها أن الشوق إلى الله تعالى أكمل ما يكون من العبد عند تكامل النعمة عليه وانغماره فيها. فإن النفوس عادة تركن لذلك وتحب لو طالت حياتها في ذلك النعيم العاجل. لكن المشتاقين لربهم لا تلهيهم عن الشوق إليه لذة مهما عظمت.
  • ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٧﴾    [الأنبياء   آية:٨٧]
إذ ذهب مغاضبا يقول تعالى: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبࣰا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَیۡهِ فَنَادَىٰ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنتَ سُبۡحَـٰنَكَ إِنِّی كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ أكثر مفسري السلف في تفسير قوله تعالى (مغاضبا) أي: لربه... وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق سعيد بن جبير ومروي عن سعيد بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والشعبي والحسن البصري ووهب بن منبه واختاره الطبري وابن قتيبة رحمهم الله جميعا.واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله...وقول ابن سيده في المحكم من أهل اللغة. والقول الثاني: مغاضبا لقومه. وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق العوفي وعن الضحاك. ثم استحسنه أي الثاني( مغاضبا لقومه) أكثر المتأخرين وقدموه في المختصرات المحققة كالميسر والمختصر واستشكل كثير من المتأخرين القول الأول وأوردوا عليه... وهذا أيضا من المقامات الكثيرة التي يتبين فيها تفرد السلف في تفسيرهم ودقة نظرهم وظفرهم بالصواب في أقوالهم. فإن السياق يدل على ما ذهب إليه أكثر مفسري السلف  وأن ما وقع ليونس عليه السلام إنما هو من الموجدة التي وجدها في نفسه والمعاتبة لربه ويتبين قوة هذا النظر من وجوه كثيرة: منها: أن القول الثاني وهو قولهم: ذهب مغاضبا لقومه فإن كان المعنى: خروجه قبل أن يأذن الله له  بسبب كفرهم؛ فإن ترتيب المؤاخذة يكون على الذهاب قبل الإذن؛ وليس على الغضب؛ فإن الغضب من الكفار بالله، وبغضهم والحنق عليهم أمر محمود. وإن كان معناه: أنه خرج بسبب إيمانهم؛ فهذا بعيد؛ فكيف يغضب نبي لإيمان قومه، ودخولهم فيما دعاهم له، وهو أقدح في النبوة مما فروا منه. وأما من قال: خرج مغاضبا من أجل ربه؛ فهذا فيه بعد؛ فأن الغضب لله مما يحمد عليه المؤمن؛ فكيف يرتب السياق المؤاخذة عليه. ومنها: أن الله تعالى قال (إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبࣰا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَیۡهِ) أي أن يونس عليه السلام حين وجد المعتبة والموجدة في نفسه لربه ( على اختلاف السبب الذي نقله السلف لهذه الموجدة) ظن أن الله تعالى لن يؤاخذه بها فيضيق عليه. وبهذا تلاحظ مناسبة ترتيب قوله تعالى فظن أن لن نقدر عليه (نضيق عليه) أي إذا غاضبنا. ومنها: أن المغاضبة تقع ببواعث مختلفة منها شدة ثقة العبد بربه ومحبته له وحسن ظنه به فقد يسبق إليه خاطر بسبب قدر من أقداره تبارك وتعالى وقد تقع هذه الخواطر بسبب قصور تعظيم الرب في قلب العبد وما يقع من الأنبياء إنما  هو من الأول. ومنها: أن الإيرادات التي أوردت على ظاهر قول السلف يمكن الجواب عليها وأن الله تعالى لكمال رحمته ومغفرته وحلمه يحتمل من عباده بحسب منازلهم وأحوالهم وقوة إيمانهم وضعفه. وعامة الناس -حتى لا يكاد يسلم أحد- يقع لهم في نفوسهم من هذه الخواطر عن ربهم بسبب الأقدار المؤلمة والوقائع التي يرونها   والله يعفو عنهم لقلة صبرهم وجهلهم وضعف إيمانهم ومن اللطائف في ترجمة يوسف البقال في ذيل طبقات الحنابلة: وحُكِيَ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ بِـ«مِصْرَ» زَمَنَ وَاقِعَةِ «بَغْدَادَ» فَبَلَغَنِي أَمْرُهَا. فَأَنْكَرْتُهُ بِقَلْبِي، وَقُلْتُ: يَارَبِّ كَيْفَ هَذَا وَفِيْهِمُ الأطْفَالَ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ؟ فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ رَجُلًا، وَفِي يَدِهِ كِتَابٌ، فَأَخَذْتُهُ فَإِذَا فِيْهِ: دعَ الاعْتِرَاضَ فَمَا الأمْرُ لَكْ … وَلَا الحُكْمُ فِي حَرَكَاتِ الفَلَكْ وَلَا تَسْأَلِ اللهَ عَنْ فِعْلِهِ … فَمَنْ خَاضَ لُجَّةَ بَحْرٍ هَلَكْ. فما يقع في النفوس يعفو الله عنه، إما بسبب تأخر مرتبة العبد في الإيمان، وقلة صبره، أو بسبب بلوغه غاية الكمال فيحتمل منه. لكن يونس عليه السلام كان نبيا، فكانت هذه المغاضبة عظيمة عند الله منه؛ إذ كان في مرتبة النبوة، وما ينبغي لها من غاية الصبر واليقين. ومن وجه آحر كان عليه الصلاة والسلام دون أولى العزم من الرسل فلم يحتمل له. وفي (مدارج السالكين) قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول:" انظر إلى «موسى» صلوات الله وسلامه عليه رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله وهو هارون، ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد ﷺ ورَفْعِهِ عليه، وربه تعالى يحتمل له ذلك كله، ويحبه، ويكرمه، ويُدَلِّلُه، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر  . وانظر إلى «يونس بن متى» حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربه مرة فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى" .انتهي كلام ابن تيمية بل قد جاء في حديث المعراج من طرق حسنها بعض العلماء كالذهبي والوادعي في قصة موسى عليه السلام بلفظ ( يعاتب ربه) وفي لفظ ( يتذمر).
  • ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦٥﴾    [التوبة   آية:٦٥]
  • ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿٦٦﴾    [التوبة   آية:٦٦]
من مباحث علوم القرآن: الكلام عن أخوف آية في كتاب الله.. وقد نقلوا عن العلماء أقوالا . وقد يتفاوت الناس في ذلك بحسب أحوالهم الخاصة وتدبرهم وما وقع لهم لكن أخوف آيتين عندي في كتاب الله على نفسي ومن أحب: قوله تعالى: وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُمۡ لَیَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَایَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ۝٦٥ لَا تَعۡتَذِرُوا۟ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِیمَـٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَاۤىِٕفَةࣲ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَاۤىِٕفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُوا۟ مُجۡرِمِینَ ۝٦٦. والنصيحة لكل مؤمن الحذر كل الحذر من أي سخرية أو استهزاء بشيء من دين الله وشرعه وكتابه ورسله وسنة رسوله وأحكام دينه أو جعله مادة للنكات والضحك والطرائف وأن يجدد التوبة والندم فيما مضى. فلا يدري لعل كلمة ظنها سهلة تكون من هذا الباب. اللهم إنا نعوذ بك من الزلل.
  • ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿٥٦﴾    [الأحزاب   آية:٥٦]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰۤىِٕكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ قال ابن عاشور رحمه الله: لم تؤكد الصلاة بالمصدر مثل التسليم (وسلموا تسليما) لأنه سبق تأكيدها بالتمهيد لها دون السلام (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰۤىِٕكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ ) انتهى بمعناه. ويقال: المصدر في قوله تعالى: ( تسليما) للتوكيد؛ ولما كانت صفة السلام معلومة؛ بقي معنى التوكيد دالا على الإكثار ..أي..سلموا تسليما كثيرا اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد عدد كل شيء.
  • ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴿٥٢﴾    [يوسف   آية:٥٢]
(لم أخنه بالغيب) في قوله تبارك وتعالى في قصة يوسف عليه السلام: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب).... ذهب عامة مفسري السلف إلى أن ذلك من كلام  يوسف عليه السلام. وبه قال ابنُ عباس من طرق، ومُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ، وَابْنُ أَبِي الهُذَيل، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدي.... ولم يحك الطبري وابن أبي حاتم عنهم غير هذا القول... واشتهر في كلام المتأخرين أن هذا من من كلام امرأة العزيز. حتى صار القول الأول غريبا. وحجة المتأخرين في ذلك: السياق والدلالة العقلية. وأشهر من أطال في بيان حجة القول الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهذا من المواطن التي يجد فيها الناظر دقة  فهم السلف رحمهم الله، وقوة أقوالهم حتى مع جلالة من خالفهم وتبحره وإمامته. ولعدم الإطالة؛ فإن القول الأول هو الأقرب للصواب لوجوه منها: أنه قول عامة مفسري السلف واقتصر المعتنون بأقوالهم كالطبري وابن أبي حاتم في نقلهم عليه. الوجه الثاني: أن أصحاب القول الثاني استشكلوا القول الأول واحتجوا لقولهم بدليلي  السياق والأدلة العقلية. فأما السياق   فقد أشكل عليهم نسبة القول ليوسف عليه السلام بعد ما جاء الخبر عن امرأة العزيز دون فصل قال تعالى قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡـَٔـٰنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَ ٰ⁠وَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ ۝٥١ ذَ ٰ⁠لِكَ لِیَعۡلَمَ أَنِّی لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَیۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی كَیۡدَ ٱلۡخَاۤىِٕنِینَ ۝٥٢ وهذ الوجه أجاب عنه الطبري رحمه الله بقوله: واتصل قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ ، لمعرفة السامعين لمعناه، كاتصال قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ، بقول المرأة: ﴿وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ ، [سورة النمل: ٣٤] وذلك أن قوله: ﴿وكذلك يفعلون﴾ ، خبر مبتدأ، وكذلك قول فرعون لأصحابه في"سورة الأعراف"، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ، وهو متصل بقول الملأ ﴿يُريدُ أن يُخْرِجَكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١١٠] .(٣) وهذا الجواب واضح ولذلك لم يذكره ابن تيمية في أدلته على القول الثاني. وأما الأدلة العقلية فنقتصر على الجواب عن أدلة شيخ الإسلام بتصرف للاختصار . ولولا أن القول الأول هو قول عامة مفسري السلف لما تقحمت مناقشة قول هذا الإمام رحمه الله. فإن له في قلبي محبة ومهابة كبرى. الجواب الأول: ١- يقول ابن تيمية رحمه الله فكيف يقول يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وهو يعلم أنّ نفسه بريئة زكية غير أمارة. فالجواب أن اتهام النفس ونسبة الظلم لها هو من كمالات الأنبياء وتعظيمهم لربهم قال الله تعالى عن آدم ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَاۤ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ﴾ وقال عن موسى عليه السلام قَالَ رَبِّ إِنِّی ظَلَمۡتُ نَفۡسِی فَٱغۡفِرۡ لِی فَغَفَرَ لَهُۥۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ ۝١٦ وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَايَايَ وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عندي). فاتهامه لنفسه وغمصه لها من تواضعه لربه وذله له سبحانه. قال الطبري: يقول يوسف صلوات الله عليه: وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل فأزكيها... الجواب عن الدليل الثاني قال ابن تيمية رحمه الله: - أنّ قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم؛ أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه، فإنه لم يتقدم مِن يوسف كلام يشير به إليه، ولا تقدم أيضًا ذكرَ عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾. وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أوَّلًا، ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو. فقول القائل: إنّ قوله: ﴿ذلك﴾ من قول يوسف، مع أنّه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل؛ لا يَصِحُّ بحال.انتهى كلامه والجواب: أن الإشارة في قوله :(ذلك): ليست إلى فعل ليوسف أو قول يتعلق بعفافه بل إلى فعله عليه السلام من رده رسول الملك فالإشارة واضحة أنها لامتناعه. ولا شك أن فعلا كهذا ورد رسول الملك يحتاج إلى ذكر سبب وقد بينه عليه السلام بهذه الإشارة(ذلك) قال الطبري: يعني بقوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، هذا الفعل الذي فعلتُه، من ردّي رسول الملك إليه، وتركي إجابته والخروج إليه، ومسألتي إيّاه أن يسأل النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن، إنما فعلته ليعلم أني لم أخنه في زوجته="بالغيب"، يقول: لم أركب منها فاحشةً في حال غيبته عني. الجواب على الدليل الثالث: قال ابن تيمية رحمه الله:  أنّ المعنى على هذا التقدير -لو كان هنا ما يشار إليه مِن قول يوسف أو عمله-: إنّ عِفَّتي عن الفاحشة كان ليعلم العزيزُ أنِّي لم أخنه، ويوسف إنّما تركها خوفًا مِن الله ورجاء لثوابه؛ لا لأجل مجرد علم مخلوق. قال الله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. فأخبر أنّه رأى برهان ربه، وأنّه مِن عباده المخلصين. ومَن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه، ولم يكن بذلك مخلصًا، فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحادُ الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على مَن عمل  انتهى. والجواب جواب الثاني فلم تكن الإشارة لعفافه بل لامتناعه عن إجابة رسول الملك حتى يسأل النسوة وهذا من تمام إحسانه عليه السلام  الذي وصفه الله به وأنه من المحسنين فإنه أراد ظهور عفته ليطمئن من كان عنده أنه حفظ عرضه وصان بيته وأنه  حفظ إحسانه وجميله. وهذا من أكمل الخلق وأتمه. ولا شك أن ظهور هذا بعد انتشار الخبر في المدينة من أعظم الإحسان لزوجها  وتنزيه فراشه. وهو من الإحسان الذي دعت إليه الشرائع وقد أراد بذلك الإحسان إلى الخلق وجه الله تعالى. لأنه يعلم أن من كان عنده إذا بان له صدق يوسف وعفته اطمأن وذهبت عنه قالة السوء. الجواب على الدليل الرابع: قال ابن تيمية رحمه الله أنّ الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه مَن لذلك عنده قدر، وهذا يناسب لو كان العزيز غيورًا، وللعِفَّة عنده جزاء كثير، والعزيز قد ظهرت عنه مِن قلة الغيرة وتمكين امرأته مِن حبس يوسف مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضي أنّ مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله، فإنّ النفس الأمارة تقول في مثل هذا: هذا لم يعرف قدر إحساني إليه وصوني لأهله؛ بل سلَّطها ومكَّنها. فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت مَن حاله هذا تفعل الفاحشة؛ إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه، وإمّا إهمالًا له لعدم غيرته وظهور دياثته، ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلا من يعمل لله خائفًا منه، وراجيًا لثوابه، لا من يريد تعريف الخلق بعمله... انتهى والجواب أن هذا لا يوافق ظاهر القرآن من إحسان العزيز إلى يوسف عليه وسلم في قوله تعالى ( أكرمي مثواه) وقوله تعالى (إنه ربي،أحسن مثواي) فكيف يتصور ممن يقول ذلك عن العزيز ألا يكون له اهتمام به وبرعاية حقه واهتمام ان يعلم براءته وصيانة عرضه وحفظه لغيبته. الجواب عن الدليل الخامس قال ابن تيمية رحمه الله: أنّ الخيانة ضد الأمانة، وهما من جنس الصدق والكذب، ولهذا يقال: الصادق الأمين، ويقال: الكاذب الخائن. وهذا حال امرأة العزيز، فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت: راودني. لكانت كاذبة وخائنة، فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه، ولهذا قالت: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾. فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها. فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة، ولكن هو من باب الظلم والسوء والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾. ولم يقل هنا: الخائنين، ثم قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. ولم يقل: لنصرف عنه الخيانة. والجواب: أن نسبة هذا القول لامرأة العزيز  مع إقرار الله لها مع ما وقع منها من الخيانة حقا بالمروادة ودعوة يوسف للفاحشة بعيد جدا وكونها خيانة من أظهر ما يكون إذ أن المرأة مؤتمنة حافظة لغيب زوجها وهي مع ذلك لم تحفظ أمانة زوجها بل سعت بكل وسيلة لإيقاع يوسف في الفاحشة فكيف يصدق عليها أنها لم تكن خائنة. وتسمية الفاحشة خيانة معروف في اللغة وكتب السنة حتى قال عبدالملك بن حبيب في كتابه أدب النساء باب المرأة تخون زوجها. كما إنها امرأة العزيز  من مجتمع وثني فكيف يكون منها هذا الكلام الذي هو من أحسن الكلام وأبينه توحيدا تأمل قوله تعالى ذَ ٰ⁠لِكَ لِیَعۡلَمَ أَنِّی لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَیۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی كَیۡدَ ٱلۡخَاۤىِٕنِینَ ۝٥٢ ۞ وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفۡسِیۤۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوۤءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّیۤۚ إِنَّ رَبِّی غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ۝٥٣﴾ [يوسف ٥٠-٥٣] هل تقول امرأة أرادت إغواء فتى كان في بيتها  وبهتته وافترت عليه وتسببت في حبس بريء سنوات طوال ولم يخرج بسبب منها بل لولا لطف الله برؤيا الملك لظلت على حالها وما برأت يوسف عليه السلام. فكيف تزكى بنقل مقالتها وإقرارها.!!! الجواب على الدليل السادس قال ابن تيمية رحمه الله
  • ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥٣﴾    [يوسف   آية:٥٣]
 أنّ النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة كما قال القرآن: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. وقد علِمنا قطعًا أنّ نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء، وأمّا نفس يوسف ﵇ فإن لم تكن من النفوس المرحومة عن أن تكون أمّارة فما في الأنفس مرحوم؛ فإنّ مَن تدَّبر قصة يوسف علم أن الذي رُحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما في النفوس مرحومة، فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف ما في القرآن والجواب ظاهر فإن يوسف عليه السلام لم يزك نفسه بل قال (وما أبرئ نفسي) ولم يقل إن نفسي أمارة بالسوء بل قال ( إن النفس  أمارة بالسوء) إلا مارحم ربي وهو ممن رحمه الله فقال ذلك معتصما بربه كقوله (وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّی كَیۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَیۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَـٰهِلِینَ) وكقول النبي صلى الله عليه وسلم والله لولا الله ما اهتدينا والحديث القدسي: كلكم ضال إلا من هديته. فلا إشكال في نسبة هذه المقالة ليوسف عليه السلام أو نبي غيره. بل هي من أخلاق الأنبياء ودينهم بالاعتصام بربهم والخوف على أنفسهم. الجواب عن الدليل السابع قال ابن تيمية رحمه الله أن هذا الكلام فيه -مع الاعتراف بالذنب- الاعتذار بذكر سببه، فإنّ قولها: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ فيه اعتراف بالذنب، وقولها: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ إشارة تطابق لقولها: ﴿أنا راودته﴾، أي: أنا مُقِرَّة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي، ثم بينت السبب فقالت: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ فنفسي من هذا الباب، فلا ينكر صدور هذا منِّي، ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة، فقالت: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾. فإن قيل: فهذا كلام مَن يُقِرُّ بأن الزنا ذنب، وأن الله قد يغفر لصاحبه. قيل: نعم، والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها: ﴿واستغفري لذنبك﴾. وهذا دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين؛ إذ الفواحش مما اتَّفق اهل الأرض على استقباحها. الجواب على الدليل السابع أن يقال إن قولها كما ذكر الله تعالى عنها (الآن حصحص الحق) دليل على أنه لم تعترف بذنبها إلا في ذلك المقام نفسه (الآن) فكيف تقول (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) فهل هناك أعظم خيانة من أنها بعد دعوته للفاحشة وافترائها عليه وتآمرها على سجنه وبقائها على ذلك السنوات الطوال وكل ذلك في الغيب عنه ولم تكن لتقر بذنبها لولا تقدير الله تعالى لرؤيا الملك وما حصل تبعا لها. ثم  ما الذي بينهما من عهد حتى لا تخونه؟. ولم يكن لها بد من الاعتراف مع حضور النسوة وإقرارها لهن حين جمعتهن بمراودته وإخبارها بامتناعه واستعصامه ولذا قالت حصحص الحق أي،ثبت واستقر. فلم يكن منها مبادرة للتوبة حتى بان الحق وظهر. وهذا كل يدل على بعد هذا القول وضعفه. الجواب على الدليل الثامن قال ابن تيمية رحمه الله: أنّ الله لم يذكر عن نبيٍّ ذنبًا إلا ذكر توبته منه، ويوسف لم يذكر القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه، وما نقل عن وقوعه في بعض مقدمات الذنب كحل السراويل ونحوها فهذا ليس مما ينقل عن النبي، بل عن أهل الكتاب، وقولهم في الأنبياء معروف، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه. والقرآن قد أخبر عن يوسف مِن الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لَكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعيَّن أن يكون تائبًا، واللهُ لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء؛ فدلَّ ذلك على أن قوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف. الجواب: أن قول يوسف عليه السلام (وما أبرئ نفسي) لا يلزم منه وقوع الخطيئة بل هو ما تقدم من التواضع لربه والتبرؤ من تزكية نفسه.
  • ﴿وَالْعَصْرِ ﴿١﴾    [العصر   آية:١]
  • ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾    [العصر   آية:٢]
  • ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾    [العصر   آية:٣]
وقفة مع السورة الجامعة: وَٱلۡعَصۡرِ ۝١ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَفِی خُسۡرٍ ۝٢ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ ۝٣﴾ استثنى الله تعالى من الخسران في هذه السورة من اتصف بأربع صفات، وجاء ذكرها مرتبا تباعا ... وفي هذا الترتيب: إشارة  لترتب بعضها لبعض في الوقوع؛ وهذا أمر يجده العبد في نفسه في كليات الدين وفروعه. فإنك أولا تعلم بالحديث أو السنة فتؤمن  وتصدق. (إلا الذين آمنوا) ثم إذا قوي إيمانك بها وصدق؛ حملك على العمل والامتثال. (وعملوا الصالحات). ثم إذا عملت به ولازمته وجدت أثره ونفعه وأحببته فحثك على الدعوة إليه ووصية الناس به ونصيحتهم وذكرته للأقارب والمعارف وأوصيتهم به وكتبت عنه ونشرته وتكلمت. (وتواصوا بالحق) ثم مع انتشار العمل الصالح وملازمته يأتي الابتلاء والأذى فيه فيصبر العبد ويدعو إلى الصبر وتحمل الأذى. (وتواصوا بالصبر) ومثله كذلك فإن التواصي بتحمل الأذى يزيد أيضا في نشاط العبد في الدعوة إلى هذا العمل والدعوة إلى العمل تزيد من عمل العبد نفسه ومن ثم تقوي إيمانه.... وعلى العكس من ذلك يبدأ ضعف المؤمن في العمل الصالح بترك التواصي على الصبر وتحمل الأذى . ثم يدب الضعف في الدعوة للعمل نفسه والنصيحة به فإذا ترك ذلك بدأ النقص في عمله شيئا فشيئا حتى يتركه بالكلية فيزهد في العمل ثم. يذوي إيمانه بفضيلة العمل ويذهب عن قلبه بالكلية وربما نفر منه وصد عنه والعياذ بالله. .فالزم أول الحصون ولا تبرحها فإنها تحمى ما بعدها من ثغور العمل والإيمان. الهج بالنصيحة لنفسك وغيرك بتحمل المتاعب في الأعمال الصالحة ... ومراتب الناس في كل فضيلة على حسب هذا الأمور الأربع .وهم فيها كذلك يتفاضلون درجات ودرجات وربك يخلق ما يشاء ويختار
  • ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩٧﴾    [النحل   آية:٩٧]
الحياة الطيبة ﴿مَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] نبهنا فضيلة الدكتور المفسر محسن المطيري جزاه الله عنا خيرا إلى أقوال السلف رحمهم الله في معنى الحياة الطيبة المراد في هذه الآية واختيار الطبري فيها. ولما كان تحصيل الحياة الطيبة هو غاية الإنسان وأقصى أمنياته فإنه جدير بالتدبر والتأمل من خلال أقوال مفسري السلف الصالح الذي هو ( بوابة التدبر الكبرى) وبالرجوع إلى أقوال السلف في معنى الحياة الطيبة نجدهم فسروها بخمس معان: ١- القناعة. ٢- الرزق الحلال. ٣- الجنة. ٤- الإيمان والعمل الصالح. ٥- السعادة. واختار الطبري وهو مروي عن علي رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما والحسن البصري ووهب بن منبه ومحمد بن كعب القرظي وأبي معاوية بن الأسود ويحيى بن سلام رحمهم الله أن المعنى : القناعة ولا شك أن هذا المعنى يشير إلى بصيرة إمام المفسرين بصنعته وتوفيق الله له.... ويتضح ذلك بمناقشة الأقوال الأخرى فأما الرزق الحلال والسعادة فيشبه أن يكون تفسيرا مرادفا  لمعنى الحياة الطيبة من جهة اللغة وليس بيانا لجنس هذه الحياة الطيبة وموعدها ولذا فلا يتعارض مع المعنى المختار. وقد أجاب الطبري رحمه الله بنحو هذا فقال: وأما القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال، فهو مُحْتَمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال. انتهى. وأما القول بأن الحياة الطيبة: هي الإيمان والعمل الصالح فيشكل عليه أن يصبح جواب الشرط هو الشرط نفسه. وأما من قال : إنها الجنة فأجاب عنه الطبرى بجواب من دلالة السياق خلاصته:  أن الله تعالى أوعد قوما قبلها على معصيتهم العذاب في الدنيا والآخرة فهذه الآية تقابل تلك في أهل الإيمان. والحاصل أن القول الذي عليه أكثر السلف في بيان جنس الحياة الطيبة هو القناعة. وهذا معنى عظيم وبه تنحل أسرار السعادة كلها مرة واحدة. والآية فيها معنى عظيم آخر: وهو أن القناعة هبة من الله تعالى لمن جاء بشرطها وهو الإيمان والعمل الصالح. فكل عمل صالح تعمله كصلاة وصيام. صدقة وذكر وبر وصلة وأمر بالمعروف يقربك من القناعة والحياة الطيبة وكل نقص في العمل الصالح يقل معه حظك من القناعة ويحل محلها الشح والطمع ونكد الحياة طيب الله حياتكم
  • ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾    [القصص   آية:٢٣]
(وأبونا شيخ كبير)... كثير من المفسرين والمتدبرين يستنبطون من هذا الموضع من الآية عفة وحياء الفتاتين وأنهما اعتذرتا لنفسيهما من الخروج بهذا العذر. ولا شك أنه معنى جميل يدل عليه ما وصف الله به الفتاتين في الآية من الاستحياء. وهناك معنى آخر في الثناء على الفتاتين وهو أظهر في هذا الموضع خاصة من صفة الحياء وهو بر الوالد. أعني في قوله تعالى عنهما ( وأبونا شيخ كبير) فإن موسى عليه السلام لم يسألهما عن سبب بروزهما وخروجهما بل السياق يدل على أنه سألهما: لماذا يذودان غنمهما ويمنعانها من الورود للماء؟ فأجابتا بهذا الجواب البار الجميل: (وأبونا شيخ كبير) لأن قولهما: (لا نسقي حتى يصدر الرعاء)؛ دليل على ضعفهما وحيائهما  من مزاحمة الرجال الأشداء؛ وهنا يأتي يأتي السؤال: أين رجالكم؟ أين أبوكما؟ فأقاما العذر للوالد الشيخ الكبير، وخافتا أن يظن به ظنا لا يليق به؛ فكأنهما قالتا: لا تلمه ولا تعذله! فإنه والله بريء معذور من الملامة. فإنه شيخ كبير. ولو كان شابا قويا قادرا؛ ما تركنا ولا جعلنا نحتاج للخروج للرعي. أبونا الآن شيخ كبير كان يكفينا المؤونة في قوته وشبابه كان يكفينا لفح الشمس والهجير ما منعه الآن إلا الشيخوخة والكبر (وأبونا شيخ كبير) عند باب السوق ترى شيخا مسنا بالكاد يستطيع أن يوقف السيارة يريد أن يطيب خاطر عائلته بالتسوق والنزهة.... وددت لو أن الراكبين معه وقفوا طويلا طويلا يرددون ( وأبونا شيخ كبير) كم من الآباء لا يستطيعون أن يحققوا كل آمال أولادهم وبناتهم مثل بقية الناس لا ينقصهم الحب والرحمة والحنان لكنه ( الكبر أو الضعف أو الشيخوخة والعجز أو الفقر والدين ) أظن أن هذا المعنى مع الحياء هو الذي أقبل بقلب نبي الله موسى إلى الفتاتين. بر الوالد وحفظ الجميل والعذر والأدب وهما في شدة تعب ذودهما ومعالجته لو كانتا ستشتكيان لأحد لا شتكنا الآن وهما في الهجير والحر ومعالجة أغنامهما يسألهما رجل غريب! لو سكتتا عن أبيهما ما عرفه! لكنه البر والحب وجمال الروح وحفظ العهد والخلق النبيل
  • ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾    [القصص   آية:٢٣]
من البر كذلك إشعار الاب والأم اللذين في الشيخوخه أن المرء مهما كبر ما زال بحاجتهم وشُورتهم وان دورهم لم ينتهي اذكر قصة اب كان كبير في السن متعاقد بيسعده أنه يوقظ ابناؤه صباحا لدوامهم ويرى مدى أهميته في هذا الأمر حتى في يوم أتى يوقظهم وجد أنهم عادي جدا وضعوا منبه يوقظهم فحزن واليوم التالي لم يأتي مع أنه كان يبهج المنزل ونفس الأمر الام كبيرة السن التي تحب أن تطبخ شيئا محببا لأحد أبنائها فيسبتدله بأن ياكل مع اصدقائه الأمر لا يكمن في دور صغير او أنه لا بأس به لكن في أن ما دام الاب والام كبار السن اعتادوا أن يفعلوا لك شيئا دون مشقه ويسعدهم ذلك ويرون أن هذا يصب في قيمتهم فلا تستبدله بغيرهم واشعرهم بأن صغير ما يفعلوه إنما هو عظيمُ عندك لأن في مرحلة الشيخوخه أو كبر السن مثبته علميا أن المرء يكون في ارق شعوره ويؤثر عليه كل شيء فالبر يكون أعظم مع ضعف إمكانياتهم في النفع كما كانوا فهم أحوج للبر في القيمة
إظهار النتائج من 5971 إلى 5980 من إجمالي 6456 نتيجة.