الأدب من أسباب الإجابة:
(رَبِّ قَدۡ ءَاتَیۡتَنِی (مِنَ) ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِی (مِن) تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ)
راعى يوسف عليه السلام في دعائه الأدب مع ربه لم يقل قد آتيتني ( الملك)
أو علمتني ( تأويل الأحاديث)
لأن الملك والعلم المطلق لله وحده.
فاستعمل (من) التبعيضية
ومع أن الملك يفهم منها الملك المخصوص لو استعملت.كما في،قوله تعالى ( تؤتي الملك من تشاء)
لكنه راعى كمال الأدب.
الأدب من أسباب الإجابة
يارب ارزقنا كمال الأدب في دعائك.
(متلازمة سبأ....)
يسأم الإنسان أحيانا ويصيبه الملل ويضجر من الرتابة والسكون حتى في أحوال النعمة والسلامة والأمان.
كل هذا جزء من ضعف المخلوق وطبيعته
ولذا استثنى الله الملائكة من ذلك
قال سبحانه
﴿فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ فَٱلَّذِینَ عِندَ رَبِّكَ یُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا یَسۡـَٔمُونَ ۩﴾
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلو لأنه يورث الملل
ففي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها
أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وعِنْدَها امْرَأَةٌ، قالَ: مَن هذِه؟ قالَتْ: فُلانَةُ، تَذْكُرُ مِن صَلاتِها، قالَ: مَهْ، علَيْكُم بما تُطِيقُونَ، فَواللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حتّى تَمَلُّوا وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيْهِ مادامَ عليه صاحِبُهُ.
الملل جزء من ضعفنا وقدرنا في دنيانا المكتظة بالنصب والابتلاء
السأم يهجم على الإنسان قهرا ورغما عنه ولو كان في غمرات النعم وقلة المتاعب
ليست المشكلة في السأم نفسه لكن في ردود أفعالنا تجاهه.
في (سبأ) حين أصابهم السأم وقعوا في خطأ وضلال جسيم
بدل أن يتخلصوا من الملل باستحضار نعم الله عليهم وتجديد سعادتهم وحياتهم بشكر الله فيها
ظنوا أن سبب مأساتهم هي،النعم نفسها فقالوا كما أخبر الله عنهم
﴿فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَـٰعِدۡ بَیۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَـٰهُمۡ أَحَادِیثَ وَمَزَّقۡنَـٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّكُلِّ صَبَّارࣲ شَكُورࣲ﴾ [سبأ ١٩]
تقارب القرى كان نعمة كبرى لو كانت لهم عقول وبصيرة
فجعلوا النعمة سببا لسأمهم وملللهم فسألوا الله أن يزيل النعمة عنهم.
(إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)
دواء السأم : الصبر والشكر
انتبه
حين تشعر بالسأم
فقابله بالصبر مثل كل ابتلاء وقل
اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك
سأمك سببه في داخلك
شيطان يلقي عليك الملل من النعمة لتجحدها وتزول عنك.
عالج سأمك بالشكر والطاعة وتجديد الشعور بالنعم.
وإياك
أن تصبح نعمك أحاديث وأطلالا من أثل وشيء من سدر قليل.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰۤىِٕكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾
هل تنتظر حتى تغرب الشمس من يوم الخميس
حتى تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ?
أكثر النصوص جاءت في فضل الصلاة والسلام عليه عامة في كل وقت وحين....
من صلى عليه يوم الخميس صلاة صلى الله عليه بها عشرا.
وكذلك سائر الأيام.
كل الفضائل المذكورة نصا أو استنباطا المترتبة على الصلاة على النبي تعم كل الأوقات
نعم يسن أن تكثر الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة.
ولكن بعضهم فهم من كثرة التذكير بالرسائل في يوم الجمعة أن وقت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. يبدأ بعد المغرب من يوم الخميس.
وهل هذا إلا من الجفاء ألا تصلي وتسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ليلة ويوم واحد؟
ما أعظم النعم
وما أقل الشاكرين....
( وَلِسُلَیۡمَـٰنَ ٱلرِّیحَ غُدُوُّهَا شَهۡرࣱ وَرَوَاحُهَا شَهۡرࣱۖ )
امتن الله على سليمان عليه السلام بهذه الريح
وقد اختصه الله بالريح دون من بعده.
قال الحسن: (كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من اصطخر فمِبيت بكابل وما بينهما مسيرة شهر للمسرع)
المسافة تقريبا بين دمشق واصطخر
١٦٠٠ كلم
وقال لهم ( اعملوا آل داود شكرا)
واليوم
تقطعها الطائرات في أربع ساعات وهي أقل من غدوة أو روحة...
فيا لله ما أعظم منة الله على عباده
وما أقل شكرهم....
(وآت ذا القربى حقه.....)
جاء التأكيد بحق القرابة في هذه الآية من وجوه....
منها
أنه قدمه على بقية الحقوق فقال تعالى
(وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ)
ومنها:
أنه جيء بكلمة ( حقه) بعد ذوي القربي مباشرة والبقية معطوفة عليه ابتدارا لتعظيم حق ذوي القربى....
فأنت حين تقول
أعط زيدا ضيافته وبكرا وعمرا
أبلغ في التنويه بزيد من قولك
( أعط الضيافة زيدا وبكرا وعمرا)
أو (أعط زيدا وعمرا وبكرا ضيافتهم).
ومنها:
أنه جيء به في سياق ترتيب الحقوق بعد حق الله وحق الوالدين على الفور لبيان موقعه من درجات الحقوق.
ومنها:
وصفه بوصف يستجيش المحبة ويحض على الإحسان وهو القرب ولا شك أنه ليس المقصود القرب المكاني لأن الأقارب قد تتباعد أقطارهم ولكن لمعاني القرب الأخرى.
ومنها
أنه أمر بأداء حقه كاملا
وذلك بالمصدر المضاف ( حقه) الدال على عموم حقه وتمامه.
اللهم اغفر لذوي قرابتنا أجمعين
واغفر لنا تقصيرنا في حقوقهم يا غفور يارحيم
وأعنا على ما أمرتنا به فيهم يا قوي يا عزيز.
اهدنا....
لا أعلم دعاء جاء الوحي بالحث عليه
وشرعه في أعظم المقامات وأوجبه مكررا
إلا الدعاء بالهداية
مما يدل على أنها أعظم فاقة يضطر لها كل العباد
وأنها أعظم أسباب سعادة الدنيا والآخرة.
فالفاتحة التي هي سورة الصلاة كلها
نصفها الأول
حمد وثناء وإقرار بين يدي هذا الطلب العظيم.
ونصفها الثاني هذا الطلب.
وأمر الله بها رحمة بعباده
سبع عشرة مرة . لشدة فاقتهم لها
وما سعد أحد إلا بما ناله من إجابة هذه الدعوة
وما شقي أحد في الدنيا والآخرة إلا بنقص نصيبه منها
ولا ذهبت الحيرة والأحزان والضيق إلا بأنوارها
ولو انكشف للعبد آثار هذه الدعوة لما فتر عنها لسانه
وما غفل عنها قلبه ولدعا بها لنفسه وأحبابه.
فالعبد ضال إلا إذا هداه ربه.
ضال في دنياه وفي دينه وفي حياته وفي معاملته وتجارته وكلامه وأهله وولده وجيرانه ضال في كل وجه حائر في كل أرض تائه في كل حال إلا بهداية الله له
اللهم اهدنا صراطك المستقيم
قم في الصلاة
وأنت تشعر بمشاعر ذلك الحائر في الصحراء التائه بين رمالها الذي فقد طعامه وشرابه ورفاقه لا يدري أن يسير ويتوجه.
الطالب لهداية ربه في كل شؤونه في نفسه وعبادته وأهله وولده وعمله ومشكلاته وأزماته
ثم قلها بلسان المسكين الضعيف الذي يرجوا رحمة ربه
(اهدنا الصراط المستقيم)
فيا لها من ساعة نور الله لك فيا السبل وهداك لأقوم الطرق في كل شيء
فرأيت النور في نفسك وأهلك ولسانك وجوارحك وعلاقاتك وحياتك
مدارسة:
قال تعالى:
﴿وَجَعَلۡنَا فِی ٱلۡأَرۡضِ رَوَ ٰسِیَ أَن تَمِیدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِیهَا فِجَاجࣰا سُبُلࣰا لَّعَلَّهُمۡ یَهۡتَدُونَ﴾ [الأنبياء ٣١]
في قوله عز وجل:
﴿وَجَعَلۡنَا فِیهَا فِجَاجࣰا سُبُلࣰا﴾
اختلف المفسرون في عود الضمير في قوله: (فيها)؛
هل يعود للأرض أم للرواسي (الجبال)؟
أي: هل السبل التي امتن الله بها في هذه الآية الطرق التي في الأرض جميعها أم الجبال فقط؟
على قولين للمفسرين:
واختار الطبري أن المقصود بها السبل في كل الأرض.
قال رحمه الله:
وإنما اخترنا القول الآخر في ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها داخل في ذلك السهل والجبل؛ وذلك أن ذلك كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه في ذلك كله فجاجا سبلا ولا دلالة تدلّ على أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التي جعلها لهم سبلا دون بعض، فالعموم بها أولى.
وقد استحسنه ابن عطية أيضا
ويقويه الآيات الأخرى التي ليس فيه إشكال عودة الضمير بل هي صريحة إلى الأرض:
﴿وَأَلۡقَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ رَوَ ٰسِیَ أَن تَمِیدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَـٰرࣰا وَسُبُلࣰا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾
وقوله تعالى:
﴿ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦۤ أَزۡوَ ٰجࣰا مِّن نَّبَاتࣲ شَتَّىٰ﴾
وقوله تعالى:
ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠﴾
وقوله تعالى:
﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطࣰا ١٩ لِّتَسۡلُكُوا۟ مِنۡهَا سُبُلࣰا فِجَاجࣰا ٢ .
لكن ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل رحمه الله
قالوا إن الضمير يعود هنا على الجبال
وأن الامتنان في هذه الآية خاص بالطرق في الجبال...
ويقوى هذا القول من وجوه
منها:
أن الأصل عودة الضمير لأقرب مذكور وهو هنا الرواسي.
قال ابن مالك: (( إذا ذُكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدًا جُعل للأقرب, ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج )).
ثانيا:
أن الامتنان بالعموم في مواضع كما تقدم لا يمنع الامتنان بالخاص وله في القرآن نظائر
منها قوله تعالى
(وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَـٰنࣰا)
فامتن تبارك وتعالى بنعمته بالسكن في الجبال
مع الامتنان بعموم السكن في قوله تعالى:
(وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُیُوتِكُمۡ سَكَنࣰا...)
ومنها:
أن المنة في طرق الجبال وتسخير السبل فيها أعظم إذا الأصل في الجبال وعورتها لارتفاعها لكنه تعالى مع ذلك جعل فيها الفجاج والسبل ويسر فيها الطرق وهذا أظهر في كمال قدرته وأبلغ في قيام الحجة بنعمته والله أعلم.
لا ضير
(قَالُوا۟ لَا ضَیۡرَۖ إِنَّاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠)
لا شيء يذهب أوجاع المؤمنين وآلامهم كاليقين بالرجوع إلى ربهم والانقلاب إليه.
(لا ضير) نكرة في سياق النفي تفيد نفي عموم الضير والضرر والألم والوجع والتعب والأحزان
(إنا إلى ربنا منقلبون) جملة تعليلية تفيد علة شعورهم بانتفاء الضرر عنهم.
كل فاجعة يهونها ذكرى اللقاء العظيم، وموعد الرجوع الكبير ولحظة العودة إلى الله.
(إلى ربنا)
جاؤوا بعنوان الربوبية الدال على التفرد بالملك. التدبير والنفع والضر.
حين تعتصرك الآلام وتخنقك الهموم افتح نافذة من قلبك على الأفق على موعد قدومك على ربك بذكريات التعب والقصص الحزينة والصبر الطويل.
حين تقول
إنا كنا وكنا.....
كنا متعبين ومرضى وفقراء ومديونين وصابرين ومحبين يارب...
اسكب ذكر الآخرة على جراحك ومتاعبك وهمومك تجد بردا من الراحة والسلوان يسرى في عروقك.
قد تفرج كربتك ولكن الكلمات التي قلتها في محنتك مكتوبة.....
(قَالُوۤا۟ أُوذِینَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِیَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ)
كان بنو إسرائيل في بلاء عظيم كما ذكره الله تعالى عنهم؛ ومع ذلك لم يكن ذلك عذرا كافيا لإظهار التضجر والجزع فنقل الله مقالتهم في كتابه....
في أوقات المحن العامة والخاصة؛ راقب كلماتك وانتبه لما تقول!