(هو علي هين)
هكذا قال الله تعالى: وقد قدم شبه الجملة (علي) لإفادة الحصر .
يعني على الله وحده هين.
لكنه على عباده يكون شاقا مستحيلا بعيدا .
فالدعاء هو سؤال العبد لربه الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو على كل شيء قدير.
ومهما بدا للإنسان أن يكون الشيء بعيدا في الظروف والأحوال فإنه بعيد في قدرة العبد وإمكانه ولكنه هين على الله تعالى.
فالمؤمن الصادق في تعظيمه لربه يسأل ربه موقنا ولو كان يرى كل شيء حوله يقول: لا يمكن ومستحيل وبعيد ... .
فإن الله يخلق الشيء بلا سبب ويخلقه بسبب ويجمع أسبابه إن شاء في طرفة العين.
اطرد كل أوهام الاستبعاد من عقلك
قل يارب وأنت تنادي الرب الذي يقول للأشياء والأحوال والظروف والناس والقلوب والزمان والمكان
(كن) .....فتكون.
في سورة الأنفال توعد الله من تولى يوم الزحف بقوله:
﴿وَمَن يُوَلِّهِم يَومَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَو مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَد باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأواهُ جَهَنَّمُ وَبِئسَ المَصيرُ﴾
وكان هذا في معركة بدر
ثم قال تعالى في الذين تولوا في أحد بعد ذلك
﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ تَوَلَّوۡا۟ مِنكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُوا۟ۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِیمࣱ﴾
وهذه رحمة الله تعالى في العفو في وعيده والتجاوز سبحانه.
اللهم انشر لنا من رحمتك وهيء لنا من أمرنا مرفقا
(إن الله يحب المتوكلين)
التوكل عبودية وطاعة
ليس مجرد وسيلة لجلب الطمأنينة والسكينة وطرد المخاوف والقلق.
التوكل صلاة القلب وسجوده ومعراجه إلى محبة الله.
فلا يرى الله قلبا قد توكل عليه في شأن من شؤونه كبيرا أو صغيرا إلا أحبه.
ولا يتوكل عبد على الله في أمر إلا حصل له من الكفاية فيه بقدر توكله. ولا تنقص كفاية الله له إلا لخلل في توكله.
التوكل عبودية إيمانية تزيد بأنواع الطاعة عموما وبطاعة التوكل خصوصا
فكل عمل تتوكل فيه على الله تزداد عظمة التوكل في قلبك
التوكل فقه يحتاج القلب أن يتعلمه ويتكلفه ويتربى عليه حتى يصير طبعا له.
فلو أطبقت الدنيا عليه لفوضها كلها لربه وأفرغ قلبه من الهم بها.
التوكل على الله في شؤون الحياة الصغيرة يبنى جبل التوكل
تعلم التوكل في فتح الباب وإغلاقه
والوضوء وشراء بصلة أو عبور شارع.
(أذلة على المؤمنين)
قال الطبري رحمه الله
من قول القائل:"ذلَّ فلان لفلان". إذا خضع له واستكان.
لقد جاءت الشريعة بالأمر بالتعاطف والتعاون والتراحم والتواد والنجدة والنصرة بين المؤمنين.
ولكن أن يجعل عنوان ذلك (الذل للمؤمنين)
يدل على معنى جوهري ومحوري في ترتيب علاقة المؤمن بإخوانه.
الذل مرير على النفوس الكريمة لا سيما النفوس المؤمنة ولذلك كان الاتصاف به في معاملة المؤمنين يحتاج إلى مجاهدة عظيمة للنفس ومكابدة تجريعها مرارة الاستكانة والذل في مواقف كثيرة.
من السهل وموافقة النفس: الكرم والنجدة حيث تنساب النفوس فطرة مع هذه الخلال وتستريح فيها. في مقابل نفورها من الذل والخضوع.
وأعظم الذل المأمور به للوالدين ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) وكلما كانت القرابة أعظم كان نصيب المؤمن من الذل فيها أكبر.
مئات العلاقات ليس فيها مصلحة دنيوية لا خسارة في تركها ولا خوف من زوالها
كثيرون لا ترجو منهم رغبة ولا تخاف منهم رهبة
لكن تجدك مضطرا لركوب أسنة الذل لتستمر هذه العلاقة
هذا الذل في حقيقته ليس ذلا للمخلوقين بل هو ذل لله وخضوع له حيث يحب الله ذلك في هذا المقام.
كثيرون حقك عليهم أعظم من حقهم عليك
كأن تكون في درجة قرابة أو سن أو فضل أو جميل أكبر منهم إن انتظرت مبادرتهم اندرست هذه العلاقة وماتت.
فلا بد من أن تأخذ قسطا من الذل للتواصل معهم وإحياء الموات.
بعضهم يفهم تواصلك حاجة فيزداد ترفعا فتزداد متاعبك مع مجاهدة نفسك التي تطمح أن تلقي بهم عرض الحائط لكن هناك مطالب القرابة أو الجيرة أو الإخوة الإيمانية.
الذل عنوان مركزي لا يغني عنه غيره في هذه الآية.
وفي الحديث
(ما تواد اثنان إلا كان أحبهما إلى الله أكثرهما حبا لصاحبه)
والذل أحد ركني الحب.
ترى عشرات العلاقات بين الناس وميزان الذل دائما يرجح تجاه أعظمهما قدرا ومنزلة ومكانة وشرفا.
بينما ترى السفهاء يقتاتون على ما يبذله هؤلاء الأشراف من كرامتهم لهؤلاء السفهاء.
لقد رأيت آباء يذلون لأولادهم وكبار سن يذلون لصغار وأهل فضل لسفهاء وزوجة صالحة لزوج أرعن وزوج كريم لزوجة بلهاء وحليم لأحمق وكل هؤلاء لم يذلوا رغبة ولا رهبة ولديهم خيارات الرحيل لا يخسر فيها إلا الذين رحلوا عنهم لكنهم يراعون مصالح الشريعة وينحازون للذل للمؤمنين.
حين يكون الذل طاعة لله وتحقيقا لأمره فهو عين الكرامة والتوفيق والعزة والشرف والمكانة.
(فَلَوۡلَاۤ إِذۡ جَاۤءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُوا۟...)
في هذا الآية بيان لسبب مهم من أسباب الإجابة
وهو سرعة التضرع فور وقوع الهم والمصيبة والفاقة.
ودليله من وجهين
أولها مجيء (إذ) الدالة على اقتران الدعاء بمجيء البأس على الفور ولم تأت (بعد) مثلا فيقال فلولا بعد أن جاءهم بأسنا تضرعوا....
الثاني: تقديم الظرف(إذ جاءهم) للدلالة على الاختصاص بهذه الفضيلة فلو تأخر الظرف هكذا (فلولا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا) لم يكن مانعا من الحث على الدعاء في غير هذا الوقت فصار كأن التضرع السريع هو المعتبر وغيره كعدمه.
ولا شك أن دعاءك فور نزول الضيق دليل على يقظة قلبك وتعلقك بربك في كل حال بخلاف المتأخر الذي يشغله الضيق عن ربه أو يتعلق بغيره تعالى للخروج منا هو فيه.
وهو دليل على لين القلب لأن الله تعالى قال بعدها
ولكن قست قلوبهم فدل على أن التأخر في الدعاء علامة على قسوة في القلب فإذا نزلت بك نازلة أو وقعت فيما يحزنك فأسرع بالدعاء ولا تنتظر حتى تصل إلى الأحوال أو الأماكن أو الأزمان التي يرجى فيها الإجابة بل ادع الآن ثم ادع بعد ذلك فيها
(فكشفنا عنك غطاءك)
في الآخرة تسقط كل الأغطية التى حالت بين العبد ورؤية الحقيقة.
كلها دفعة واحدة.
يسقط غطاء الشهوات التي زينت للإنسان معاصيه
يسقط غطاء الأصدقاء والقرناء الذين طالما وضعوه على عينيه.
يسقط غطاء المشاهير ومواقع التواصل والإعلام والثقافات والمؤثرين
فجأة يجد الإنسان نفسه أمام الحقيقة بالغة الوضوح.
قد أسكت الموت كل الضجيج والزيف والخداع الذي حوله
ولم يعد هناك إلا صوت واحد
وصوت واحد فقط
صوت الحقيقة
وليس إلا مشهد واحد
مشهد الحق والعدل
ويدرك حينها المسافة التي كانت بينه وبينها
وكثافة الأغطية التي رضي أن تتكاثف على عينه حتى أعمت بصره عنها.
وحجم الكارثة التي أوقع نفسه فيها حين ترك عينيه نهبا لهذه الأقنعة وهي تتراكم على بصره.
حينها يرى المؤمن أن المشهد الذي كان ينتظره
ويؤمن به هو ذاته الذى يراه الآن.
والحقيقة هي هي
والآخرة هي هي
والعقيدة التي آمن بها وانحاز إليها هي هي.
(قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰۤ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدࣰا)
موسى عليه السلام كليم الله ومن أولي العزم من الرسل وهو أفضل من الخضر، ولكنه لما كان في مقام التعلم من الخضر تأدب معه غاية الأدب وتلطف في سؤاله غاية اللطف.
وفيه أن الإنسان إذا جاء ليستفيد من أحد ولو كان المستفيد أكبر قدرا وأعلم لكنه في مقام مخصوص جاء ليتعلم ممن هو أقل منه منزلة فطريقة الأنبياء لزوم الأدب.
فإذا جئنا إلى محاضرة أو ندوة أو موقع أو حساب لأحد في مواقع التواصل لتنتفع به في جزئية نحتاجها فعلينا أن نلزم الأدب والتلطف ولو كان صغيرا أو مبتدئا.
(ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة)....
في الآية إشارة عظيمة لباب من أبواب شكر النعمة قد لا يخطر على بال أكثر الخلق.
فالناس عندما تمر بهم ظروف صعبة تشغلهم عادة عن مشاهدة النعم المتتابعة بعدها.
حين يصاب الإنسان بحادث سيارة يبقى حسيرا وحزينا على ما حصل له من آلام وجراح وفقد وينسى ألطافا كثيرة حفت به في الحادث وبعده ومنها مثلا كيف نقل بسرعة للمستشفى وكيف وجد عناية من الأطباء وإسراع الأقارب والأصدقاء لتخفيف مصابه ومواساته ومنها بدء شفائه ورجوع العافية له وتيسير إصلاح سيارته وانتهاء بعض مشكلات الحادث ونسيان بعض الآلام وذهاب مشاعر الخوف والرعب وعودته للحياة .....الخ.
كل ذلك لا نلتفت إليه ونبقى متمركزين حول ساعة الحادث نفسه ورعبها وألمها وكيف أن حظوظنا البائسة ألقت بنا وحدنا في هذا الحادث المؤلم.
تبقى ذاكرة الألم شديدة الوضوح لأدق التفاصيل ربما للعمر كله.
امتن الله على أهل أحد نعمة النعاس والأمنة بعد القرح والجراح
ليتخطوا بسرعة لحظة الألم إلى تنشيط مجسات النعم
أيها المريض
أيها الحزين
أبها الفقير
أيها الكسير
اعبر حالة مرضك وحزنك وفقرك وانكسارك إلى الألطاف فيها ومعها وبعدها حينها تشرق أنوار النعم حولك وينساب في قلبك اليقين .
أن الله رغم كل ما وقع ....معك.
(لا تمدن عينيك)
كنت في بلدة صغيرة تتغير عمرانيا ببطء شديد لا شيء يلفت الانتباه إلا في استناءات قليلة فالطقس هو المتغير الأكثر وضوحا في مجريات اليوم والأسبوع والسنة
بلدتنا الرتيبة في عمرانها حيوية وشابة ونشطة في مناخها تجمع مناخات العالم في أمسية واحدة ترى في أصيلها الشمس والمطر والرياح والضباب والسكون والعاصفة والدفء والبرد في وقت قصير.
فحديثنا هناك عن السماء عن الغيوم عن المطر والصقيع والصباحات الباردة
نتسامر:
كيف قضينا البارحة الشاتية وكيف بعثرت الرياح متاعنا
أصوات الرياح في نوافذنا تجعل المساء صاخبا رغم خواء الشوارع
في بلدتنا نتشارك الصخب والمناخ والسحابة والندى والبرد والدفء
كلنا ليس هناك خصوصية لأحد
الجميع يقتسمون كسرة الحياة بالتساوى فلوحة السماء فوق الجميع يراها الفقراء،والأغنياء
هنا يجتاز الإنسان أستار الدنيا إلى الكون والأفق البعيد وما وراء الأشياء إلى النهايات والغايات وقصة الإنسان والمغزى
لا شيء في أرض قريتنا قادر على الإمساك بنا واعتقال عيوننا الشاخصة في السماء
هناك تندر أحاديث العقار والتجارة والأسهم ليس لأننا لا نحبها كما يحبها الآخرون بل لأننا لا نمر في الطريق لمجلس السمر على مخططات جديدة أو عمارات تشيد كل يوم أو أسواق تفتتح كل اسبوع
لا شيء يوقظ سباع الطمع الجاثمة في قلوبنا.
لا أحد يتحدث عن المحلات والثروة والمواقع العقارية الرائعة وارتفاع العقار وقصص رجال الأعمال.
الماضي أو الطقس أو الآخرة أو القيم أو الطرائف أو أخبار المرضى والجنائز مائدتنا كل مساء
تبدو الآخرة هنا أقرب بكثير تبدو في أفق واحد مع خط الحياة تبدو الحياة صغيرة كحجم قريتنا الجامدة
في هذا الجو يذبل الجشع ويصيبه الهزال فليس هناك من الصور ما يتغذى عليه.
حين انتقلت إلى مدينة صاخبة تولد كل يوم
تنسلخ وتتجدد من ثيابها كالأفعى
الشوارع والأنوار الأسواق والأبراج والألوان والضجيج والركض في كل اتجاه
هنا يتجدد كل شيء الثياب والأواني والسيارات والبيوت والشوارع والألوان
وأحاديث الناس
الدنيا العجوز الكسول في قريتنا تبدو هنا فتاة جميلة تقتحم حياتك في كل مكان تلاحقك بزينتها في واجهات الفلل والقصور والأسواق واللوحات وأحاديث الناس والرفاق
كأنما تحاول أن تحجزك عن رؤية أي شيء خلفها تريد سرقة سمعك وبصرك وقلبك
تريد أن تقول لك هنا كل شيء.
فاتنة صبور لا تمل من المطاردة في كل مكان .
جميلة لدرجة أن مجرد النظر إليها كاف في وقوعك أسيرا
( لا تمدن عينيك)
في المدينة تحتاج لكفاح مرير لحراسة عينيك فكل شيء هنا يراودها يتزين لها يخطفها يناديها
كل شيء هنا يريد عينيك
التجار والمصممون والمبدعون والثروات والإعلانات وخطط الشركات وعلم التسويق والدعاية كلهم يبحثون عن لفتة من عينيك.
لاشيء في المدينة المتحضرة من الرتابة التي تمنح عينيك فرصة للسأم والإعراض
التجدد والإبهار يجعلك حبيسا
تبدو فرصة عقولنا للنفاذ من كل ذلك إلى ماوراءه صعبة وقاسية.