عرض وقفات تذكر واعتبار

  • ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾    [آل عمران   آية:٣٥]
﴿فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّی وَضَعۡتُهَاۤ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّی سَمَّیۡتُهَا مَرۡیَمَ وَإِنِّیۤ أُعِیذُهَا بِكَ وَذُرِّیَّتَهَا مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ ٱلرَّجِیمِ﴾ [آل عمران ٣٦] وإني سميتها مريم.... ما الذي حمل امرأة عمران على أن تضمن هذا الأمر ( تسمية مريم) في دعائها؟ وإخبار القرآن بذلك. لاح لي معنى أرجو أن يكون صوابا. وهو أن العبد إذا دعا ربه توسل إليه بما عمل هو من وسعه وطاقته . حيث قالت أم مريم: يارب قد وضعتها وسميتها وهذا وسعي وطاقتي ولا أطيق غيرذلك فلا قدرة لي أن أعيذها فإني أعيذها بك وذريتها من الشبطان الرجيم. فإذا دعوت بالرزق أو الوظيفة فقل يارب إني درست وتعلمت وبحثت عن عمل وإني أسألك أن ترزقني وظيفة طيبة. وإن كنت مريضا قلت يارب قد ذهبت للطبيب وتناولت الدواء واحتميت من الطعام وإني أسألك أن تشفيني. مع ما في قولها من إطالة المناجاة ونزول الخشوع في القلب من بث الشكوى. وقد جاء هذا الخبر في سياق ثتاء الله على قولها مع علمه به وبوضعها ( والله أعلم بما وضعت) وعقب باستجابته لها (فتقبلها ربها)
  • ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٦٠﴾    [النور   آية:٦٠]
(وأن يستعففن خير لهن.... ) ﴿وَٱلۡقَوَ ٰ⁠عِدُ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ ٱلَّـٰتِی لَا یَرۡجُونَ نِكَاحࣰا فَلَیۡسَ عَلَیۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن یَضَعۡنَ ثِیَابَهُنَّ غَیۡرَ مُتَبَرِّجَـٰتِۭ بِزِینَةࣲۖ وَأَن یَسۡتَعۡفِفۡنَ خَیۡرࣱ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ) أجمع المفسرون على أن قوله تعالى: (وأن يستعففن خير لهن) معناه: أي لو أن الكبيرات من النساء لبسن الجلباب والخمار وتركن الرخصة والتخفيف لكان خيرا لهن..... والوقفة هنا مع قوله تعالى (وأن يستعففن) فجعل لبس الثياب والجلباب والحجاب نفسه عفة وعفافا فالعفاف ليس معنى مجردا أو بعدا عن الفاحشة ومقدماتها وأسبابها فحسب. بل اللباس نفسه ممارسة للعفاف فكلما كان اللباس أستر كانت المرأة أعف . وهذا وصف قرآني صريح ليس استنباطا ولا معنى إشاريا بل حقيقة قرآنية فالله عز  وجل جعل لباس المؤمنة المحتشمة في ذاته عفافا. فإذا أردت أن تكوني عفيفة في نظر ربك فانظري في ثيابك. وقد وعدك الله بالخير عند العناية بثيابك المحتشمة (خير لهن) وهو وعد عام بالخير في الدنيا والآخرة. تذكري وأنت تشدين خمارك أنك تشدين حلية العفاف في رأسك حين تلبسين الجلباب الفضفاض أنك تسبلين العفاف الضافي على جسدك. اللباس العفيف أجر وحسنات وثواب ما دمت تلبسينه. القرآن يقول إن اللباس عفة.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾    [الروم   آية:٢١]
الحب والزوجية. قال تعالى وَمِنۡ ءَایَـٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَ ٰ⁠جࣰا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّةࣰ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ ۝٢١ جاء ذكر المودة والرحمة في سياق الامتنان وقد قال أهل الأصول أن قرينة الامتنان تفيد الحصر. وهذا فيه إشارة أن الحب والمودة والرحمة بين الرجل الأجنبي والمرأة  لا تكون أبدا إلا في كنف الزوجية. وأن كل علاقة خارجها فالحب والمودة والسكن فيها زيف وخداع وكذب.
  • ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٧﴾    [الأنبياء   آية:٨٧]
(فنادى في الظلمات) من عجائب رحمة الله بعبده في وقت بلائه أن يعينه ويلهمه الدعاء فيونس عليه السلام في أحوال تذهل فيها العقول وتعقل فيها الألسن وتطيش منها القلوب. أعانه ربه على النداء في عتمات الظلمات الدامسة. كيف لعبد أن يدعو في جوف حوت أبحر به في ظلمات الأمواج إذا أذن الله لك بنداء ربك في أحوالك الخانقة التي تكتم الأنفاس وتستلب القدرة فهذه أوسع أبواب الرحمات وإيذان بأن الفرج في الطريق.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٣٤﴾    [فاطر   آية:٣٤]
وَقَالُوا۟ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورࣱ شَكُورٌ ۝٣٤﴾ قال بعض،المفسرين: الحزن: حزن الخبز يعني هم المعاش. في الجنة ينتهي القلق على المصاريف   والحزن على نفقات العيال والهم من تدبير الإجار والقرض والمدارس والعلاج وصيانة السيارة والفواتير في الجنة تغلق أبواب الهموم.
روابط ذات صلة:
  • ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٧﴾    [يوسف   آية:٨٧]
(رَوْح الله......) فسرها بعض السلف ب( فرج الله) و (رحمة الله) وهي معان صحيحة لكن الأمام الطبري قال: ( ولا تيأسوا من ‌روح ‌الله) ، يقول: ولا تقنطوا من أن يروِّح الله عنا ما نحن فيه من الحزن. هذا التفسير اللفظي المطابق الذي فسر به إمام المفسرين هذه الآية ينقل القارئ إلى حقيقة معنى روح الله (بفتح الراء) الروح المصدر. قال أهل اللغة: ما يتركب من الراء، والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك كله الحركة والاهتزاز، فكل ما يهتز الإنسان له ويلتذ بوجوده فهو روح.اه ترويح الله للمؤمن : صفة من صفاته الفعلية وترويح المؤمن لنفسه : هذا فعل المخلوق وأثر مخلوق من آثار ترويح الله له. لم يقل : يعقوب عليه السلام: لا تيأسوا من وجود أخويكما أو لقائهما ، بل قال لا تيأسوا من روح الله ، لأن أمله في أن يجدهما على حال يذهب به حزنه، فقد يجدونهما ولكن على حال تزيد حزنهما أو لا تذهبه. فمما تعظم به محبة المؤمن لربه، شعوره بهذه الصفة من صفات ربه تعالى، وأنه يروح عن عباده أحزانهم تدبر هذه الصفة يسلي المؤمن بأن له ربا، يعلم خفايا حزنه ويقدر على إذهابها والترويح عنه. تأمل اتصاف الله بهذه الصفة خاصة (روح الله) أي ترويح الله للمؤمن وإنعاشه قال الأصمعي الروح الاستراحة من غم القلب. اللهم أذهب الغم عنا وعن عبادك المؤمنين وروح عنا إنك سميع الدعاء
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٨٤﴾    [يوسف   آية:٨٤]
(يا أسفى على يوسف) أقرب الأقوال أن يعقوب عليه السلام قال ذلك دعاء واستغاثة بالله وشكوى إليه تعالى. وذلك لوجوه منها: أن الله تعالى قال قبل ذلك ( وتولى عنهم) فدل على أن هذا القول كان بعد توليه وإعراضه عنهم وإقباله على ربه. ومنها: أن الله وصفه بأنه كظيم وأكثر المفسرين على أن معناه كظمه للحزن وكتمه له قال قتادة: تردَّدَ حُزْنُه في جوفه، ولم يتكلّم بسوء. وقال الطبري: ، يعني أنه مملوء منه، مُمْسِك عليه لا يُبينه. ومنها إخبار الله تعالى عن قول يعقوب عليه السلام (قَالَ إِنَّمَاۤ أَشۡكُوا۟ بَثِّی وَحُزۡنِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ) ومنها إخبار الله عنه بقوله (فصبر جميل) في موضعين. ومنها ما نقله الطبري عن سعيد بن جبير قال: لم يُعْطَ أحدٌ غيرَ هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب: ﴿يا أسفَا على يوسف﴾ ؟ فكأنه كالاسترجاع في شرعهم. ومنها أن الله لم يعاتب يعقوب عليه السلام في قول عامة أهل العلم. قال الماوردي: وَفِي هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِهِ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُرِدْ بِهِ الشَّكْوى مِنهُ رَغَبًا إلى اللَّهِ تَعالى في كَشْفِ بَلائِهِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُهُ يا رَبِّ ارْحَمْ أسَفِي عَلى يُوسُفَ. والخلاصة: أن ( يا أسفى) وإن كان معناها الندبة ونداء الأسف يعنى يا أسفي تعال فهذا وقتك. لكن المقصود إظهار غاية الشكوى والمسكنة لله تعالى. وهذا فيه دلالة أن هناك فرقا بين شكوى العبد للناس أو أمامهم وبين شكواه عندما يخلو بربه ويناديه فله وهو ينادي ربه أن يبدي غاية حزنه وضعفه وشكواه وأن يبث همومه كالثكلى المفجوعة. وأن تحزنه وبكاءه في مقام الدعاء لا يساوي تشكيه وبكاءه وهو غائب عن هذا المعنى. وبيانه أن الإنسان قد يقول ياحزني يا عظم مصيبتي فيكون تبرما وضجرا وقد يقوله لكنه في ثنايا دعائه فيقوب (يارب قد طال وجعي فياطول بلائي ويا شدة حزني يا عظم وجعي ....فهذا دعاء ممدوح.)
  • ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴿٧﴾    [الطلاق   آية:٧]
(سيجعل الله بعد عسر يسرا) الفرج أقرب السين أسرع من سوف قال أبو حيان : «والمجيء بالسين يدل على قرب الاستقبال، إذ السين في وضعها أقرب في التنفيس من (سوف)"
  • ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾    [الفلق   آية:١]
  • ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾    [الفلق   آية:٢]
#سورة الفلق ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ۝١ يعلّم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده كيف يستعيذون به، كيف يطلبون منه الحماية، يلقنهم تبارك وتعالى نصا بحروفه للاستعاذة والالتجاء وطلب العصمة والنجاة والكفاية. وحين خلق الله الإنسان ضعيفا في كون مملوء بالمخاوف التي لا يمكن للعبد حماية نفسه منها إلا بالافتقار إلى ربه. والفرار إليه شرع له عبودية الاستعاذة. ومن رحمة الله أن جعل طلب الحماية هذا سهلا يسيرا يمكن لكل أحد من صغير أو كبير أن يناله كلمات يسيرة في سورة قليلة الآيات يمكن لكل أحد من أمي وقارئ حفظها. بعدها يدخل في حرم الأمن الكلي الرباني العاصم حيث يمشي العبد في حراسة ربه وحفظه وأمانه  الشامل التام . الأمن الذي يغني العبد عن الحراس والدروع والحيطان والجنود. برب الفلق افتتتحت السورة بالاستعاذة بربوبية الفلق أي أعوذ بالملك المدبر المتصرف الخالق الذي بقبضته كل الخلائق وكل الأشياء والأقدار العالم بها القدير عليها. برب الفلق والفلق أصح ما قيل فيها (واختاره الطبري) أنها كل ما خلقه الله وشق فيه الوجود أعوذ برب كل شيء حيث يحضر في قلب المستعيذ ملك ربه وكمال تصرفه ونفوذ مشيئته وتسييره لكل ذرة في الوجود فإذا استعاذ برب كل مخلوق (وكل ماسوى الله مخلوق) نزلت في قلبه الطمأنينة والسكينة وذهب القلق والوحشة. فهو يسير في كل مكان وأي زمان في ملك ربه الذي يحميه ويحفظه ويعتصم به. ولو تدبر العبد ذلك لأمن أعظم من أمنه حين يسير في بيت أبيه  أو غرفة نومه. وفي (الفلق) للتعبير عن جميع الخلق معنى لطيف أبلغ من أي كلمة أخرى(والله أعلم) وذلك لما في كلمة الفلق من الشق والانبثاق والظهور بعد الكمون والسكون وهي الأحوال التي يخاف العبد فيها من مفاجأة العوارض والحوادث والتغيرات. حيث تنبثق العوارض من باطن الجسد أو ظاهره من الأقارب أو الأباعد من الدواب أو الكائنات تأتي كلمة (الفلق) لتحيط بذلك كله الأشياء والحوادث والسكون والحركة في تأمين كلي لا يستثني شيئا .(من شر ما خلق) وحين علّم الله تعالى عباده التوسل بربوبيته  للفلق شرع في تفصيل أنواع الشرور التي يستعيذون منها فعم وخص. وبين سبحانه أن فيما خلق شرورا  خلقها لحكمة عظيمة لعل من أعظمها تحقيق العبودية لله تعالى. لأن العبودية هي كمال الحب وكمال الافتقار والذل. فوجود الشر في المخلوقات ينزل في قلب العبد الفاقة المطلقة لربه والاضطرار الكلي لحمايته سبحانه. ولولا ذلك لا ستغنى العبد وهلك وتعاظم في نفسه. (من شر ما خلق) (وما) هنا تفيد العموم وليس في العالم نص حماية يحصن العبد أعم ولا أشمل من هذا. فإنه عم كل المخلوقات حتى الأحبة والأقارب والأبناء والأنفس. فإن الله يحميك بهذه السورة من شرور نفسك وولدك وزوجك ومتاعك ورفاقك فإنه لا تنفك نفس ( إلا من عصم الله) من شر. بل ربما يأتيك الشر ممن أراد أن يحسن إليك أو مما تتوهم أنه خير محض. فإذا قلت ( من شر ما خلق) فأحضر كل ما يخطر على بالك من شرور المخلوقات من الجن والإنس والجماد والحيوان والأقربين والأبعدين والكائنات الكبرى والدقيقة والأقوياء،والضعفاء من أبعد نجم إلى حبل الوريد. هذا صك الحصانة الرباني والأمان الذي لا يجاوزه بر ولا فاجر.
  • ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾    [الفلق   آية:٣]
(ومن شر غاسق إذا وقب) ومع أن الآية السابقة فيها الاستعاذة من  شر كل شيء من شرور الدنيا والبرزخ والآخرة. لكن الله تعالى خص بعد العموم أحوالا خاصة  ومن آثار ذلك إيقاظ قلب المؤمن ليعرف هذه الشرور والمخاطر وكثرتها فإذا علم بذلك اشتدت فاقته واضطراره للاستعاذة والاحتماء بربه فكان أقرب لإجابة ربه من قلب غافل. فإن من فطرة الإنسان أن يعظم حذره من الخطر عند تفصيله وبيانه. ومنها أن يعلم نعمة ربه عليه بحفظه له مع كثرة العوارض التي يمكن أن تنهشه من كل اتجاه. فقوله تعالى (من شر غاسق إذا وقب) فأكثر أقوال المفسرين أنه الليل إذا دخل وبعضهم قال إنه القمر أو النجم أو الثريا إذا ظهر وهما من علامات الليل. والمعاني متقاربة وتتضمن الاستعاذة بالله في أشد أوقات الخوف  وأكثرها خطرا حيث تنبعث الشرور المستترة بسدفة الليل وجنح الظلام المتسللة في هدأة الخلق وغفلتهم. حين تجتمع وحشة الليل وسواده مع انتشار شياطين الجن والإنس فيه. وكلما استدعى العبد صور المخاطر كأنما يرى السراق والقتلة واللصوص ومردة الجن يخرجون بصورهم المرعبة ونواياهم الخبيثة في ظلمة الليل حينها يقبل على التعوذ بقلب مضطر مفتقر لائذ بربه فار إليه يستغيثه ويعتصم به. وقد وصف الله الليل بالصفة التي تثير فاقة العبد لربه فسماه الغاسق والغسق هو الظلام والظلام محل الوجل والوحشة والخوف. بل اختير من مفردات اللغة ما يلقي بمعاني الاستيحاش في القلب فكم بين كلمتي ( الليل إذا دخل) و ( غاسق إذا وقب) من الفرق العظيم في وصف مخاوف الليل والظلام. وهكذا عند إدبار الأوقات وإقبالها وتغيراتها فإن من معاني الآية التعوذ من لحظات الانتقال والتغيير الزماني حيث ينتقل الإنسان من سكونه وركونه إلى حال جديدة يدل عليه قوله تعالى ( إذا وقب) والظرفية التي تدل عليها (إذا) الشرطية, التي تدل على وقت دخول الليل بعينها  تشعر بذلك  فلحظات التحول تنقل الإنسان إلى حال جديدة يفوته أخذ الحذر من مستجدتها وفيه إشارة  لمواطن خاصة للاستعاذة عندما تتجدد علينا الأماكن أو الأوقات أو الأحوال والظروف. وفي الآية دلالة على أن قراءة المعوذات من أذكار الصباح والمساء أيضا. وفيها إشارة لحاجة العبد للإلحاح في التعوذ في مظان الأخطار والشرور في الأمكان والأزمان المخوفة.
إظهار النتائج من 5901 إلى 5910 من إجمالي 6456 نتيجة.