تفسير و تدارس

٤٦١ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٦٢ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٦٣ التعليق على تفسير الطبرى الوقفة كاملة
٤٦٤ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٦٥ التعليق على تفسير القرطبى الوقفة كاملة
٤٦٦ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٦٧ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٦٨ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٦٩ التعليق على تفسير القرطبى الوقفة كاملة
٤٧٠ التعليق على تفسير الطبرى سورة الحديد الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٤٦١ {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)} لما كان الإنسان مطبوعًا على العجلة معتادًا لها قال سبحانه: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} كأنه مخلوق منها على سبيل المبالغة. والإنسان من صفاته العجلة كما قال سبحانه: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]. جاء في (تفسير أبي السعود): "جعل لفرط استعجاله وقله صبره كأنه مخلوق منه... إيذانًا بغاية لزومه له وعدم انفكاكه عنه" (1). وبنى الفعل (خلق) للمجهول لأن هذه الصفة غير محمودة فلم يرد أن يسندها إليه سبحانه، والخالق معلوم. وهذا كثير جار في القرآن الكريم (2). ونحو ذلك قوله سبحانه: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، وقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 – 21]. في حين قال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] لما كان ذلك من مظاهر نعمته عليه. قال سبحانه في سورة المؤمنون: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} إلى أن قال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] ثم ذكر أنه أسجد له ملائكته أجمعين فقال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ} وهذا تكريم لآدم فقال: (خلقت). {سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} وآياته هي آيات الوعيد التي ستحل بهم في الدنيا، وعذاب الآخرة الذي وعدهم به. وقيل: هي أدلة التوحيد التي تدل على صدق الرسول. جاء في (البحر المحيط): "أي آيات الوعيد، فلا تستعجلون في رؤيتكم العذاب الذي تستعجلون به... والآيات هنا قيل: الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة، أي يأتيكم في وقته. وقيل: أدلة التوحيد وصدق الرسول" (3). {فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} فإنها ليست في مصلحتكم، وإذا وقعت تمنيتم أنها لم تقع، سواء ما كان في الدنيا أم ما يكون في الآخرة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 94 إلى ص 95. (1) تفسير أبي السعود 3/701، وانظر نظم الدرر 12/420، البحر المحيط 6/312. (2) انظر كتابنا (التعبير القرآني) – تفسير سورة التين. (3) البحر المحيط 6/312 – 313 وانظر روح المعاني 17/49. الوقفة كاملة
٤٦٢ {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)} قيل في الفرق بيم الاستهزاء والسخرية: "إن الإنسان يستهزأ به من غير أن يسبق منه فعل يسبق من المسخور منه" (1). والملاحظ في التعبير القرآني أن الاستهزاء يستعمله فيما هو أعم من السخرية. فإن السخرية لم يستعملها القرآن إلا مع الأشخاص. قال تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود: 38]. وقال: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79]. وقال: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38]. وقال: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11]. وقال: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [البقرة: 212]. أما الاستهزاء فهو عام يكون من الأشخاص وغيرهم. قال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 58]. وقال: {أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65]. وقال: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 10] وقال: {إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} [النساء: 140] وقال: {وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56]. وقال: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الفرقان: 41]. لقد ذكر في آية الأنبياء هذه الاستهزاء والسخرية فقال: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} ثم قال: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ} والذي يبدو أن معنى الآية أن الكفار استهزأوا بهم وبما جاؤوا به وسخروا منهم ومن عملهم، فجمع بين الاستهزاء والسخرية فحاق بالذين سخروا من الرسل ما كانوا يستهزئون به ومما كانوا يذكرونهم به من الآيات والعذاب وما جاءت به رسلهم. وهو عدة للرسول وإنذار للمستهزئين أن يصيبهم مثل ما أصاب الأولين. جاء في (تفسير أبي السعود): "تسلية لرسول الله  عن استهزائهم به عليه السلام في ضمن الاستعجال وعدة ضمنية بأنه يصيبهم مثل ما أصاب المستهزئين بالرسل السالفة عليهم الصلاة والسلام" (2). وجاء في (روح المعاني): "وقيل: إن المراد من الذي كانوا يستهزئون هو العذاب الذي كان الرسل يخوفونهم إياه" (3). وقدم الجار والمجرور (بالذين سخروا) على فاعل (حاق) وهو {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} لأن المعنى يقتضي - ذاك، فلا يصح أن يقال: (لقد استهزئ برسل من قبلك فحاق ما كانوا به يستهزئون بالذين سخروا منهم) أو هو ضعيف، لأن الضمير في (كانوا) عند ذاك لا يعود على مذكور متقدم؛ لأنه لم يتقدم ذكر للمستهزئين، فإن الفعل مبني للمجهول، بخلاف قوله: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، فإن الضمير في (كانوا) يعود على المتقدم وهو (الذين سخروا منهم). وجاء في (تفسير أبي السعود): "وتقديمه على فاعله الذي هو قوله تعالى: (ما كانوا به) للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم" (4). وبنى الفعل (استهزئ) للمجهول لأنه لا يتعلق غرض بذكر الفاعل، فإن العقوبة تتعلق بالاستهزاء أيا كان فاعله. إذ لو ذكر الفاعل لربما أفهم أن العقوبة إنما حصلت لأن الفاعل هم هؤلاء المذكورون، ولو كان غيرهم لم تكن العقوبة كذلك أو أنهم لم يعاقبوا. جاء في (نظم الدرر): "ولما كان المخوف نفس الاستهزاء لا كونه من معين بني للمفعول قوله: {اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ} أي كثيرين" (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 102 إلى ص 105. (1) الفروق اللغوية 268. (2) تفسير أبي السعود 3/703. (3) روح المعاني 7/102. (4) تفسير أبي السعود 3/703 – 704. (5) نظم الدرر 12/423. الوقفة كاملة
٤٦٣ {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)} ذكر من صفات المتقين خشية ربهم بالغيب والإشفاق من الساعة. والخشية "خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ۲۸] (1). والإشفاق شدة الخوف (2). لقد ذكر أنهم يخشون ربهم بالغيب، وقيل: إن قوله: (بالغيب) أنهم يخافونه ولم يروه، وقيل: إنهم يخافونه من حيث لا يراهم أحد (3) وذلك عند مغيب الإنسان عن عيون البشر، أي في الخلوة (4). وقد ذكر هنا أنهم يخشون ربهم بالغيب، فقيد الخشية بالغيب. وأطلق الخشية في أكثر من موطن وذلك نحو قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الرعد: 21]. وقد فصلنا القول في التقييد والإطلاق في هذا التعبير في قوله تعالى في سورة يس: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} (5) فلا نعيد القول فيه. وقال: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ }بذكر الرب المضاف إلى ضميرهم؛ لأن الرب هو المربي والهادي والمعلم، وأن الفرقان والضياء إنما هما للهداية فناسب ذكر الرب. وقال: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} بالفعل المضارع الدال على التجدد، فإن الفعل المضارع قد يدل على الاستمرار والتجدد نحو قوله سبحانه: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]، وقوله: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة: 245] وقوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)} [آل عمران: 26 – 27] (6). ذلك أن خشية الله تتجدد في كل لحظة فجاء بها بالفعل المضارع الدال على الاستمرار. وذكر اتصافهم بالإشفاق من الساعة بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات، ذلك أنها ساعة الحساب على الأعمال، وهم يخافون على الدوام مما عملوه: ما مضى منه، وما هم فيه من العمل، وما سيعملونه في المستقبل، فجاء بها بالصيغة الاسمية الدالة على الدوام والثبات؛ ذلك لأنها متعلقة بحياة الإنسان كلها الماضية والحالية والمستقبلية. جاء في (البحر المحيط): "وتكون الصلة الأولى مشعرة بالتجدد دائمًا كأنها حالتهم فيما يتعلق بالدنيا. والصلة الثانية من مبتدأ ومخبر عنه بالاسم المشعر بثبوت الوصف كأنها حالتهم فيما يتعلق بالآخرة (7). وجاء في (تفسير أبي السعود): "وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه" (8). وقدم الساعة على العامل في قوله: {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} لأنه ذكر المتقين وهم الذين يحذرون ويتحفظون في أعمالهم لئلا يصيبهم منها سوء في الآخرة. وإنما ذلك يحصل في الساعة فقدمها. ثم إن الكلام على الساعة تردد في السورة في أكثر من موضع: فقد ابتدأت السورة باقتراب الحساب للناس وذلك قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}. وختمت بذلك وذلك قوله: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا....} [الأنبياء: 97 - 104]. وتقدم الآية الكلام على الساعة وذلك قوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}. فناسب ذلك تقديمها. جاء في (تفسير أبي السعود) أن "تقديم الجار لمراعاة الفواصل وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها معظم المخوفات، وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون" (9). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 120 إلى ص 123. (1) مفردات الراغب (خشي). (2) البحر المحيط. 6/317. (3) البحر المحيط. 6/317. (4) البحر المحيط 7/325. (5) انظر كتابنا (على طريق التفسير البياني – ج2) تفسير سورة يس. (6) انظر (معاني النحو – ج3) – زمن الفعل المضارع. (7) البحر المحيط 6/317. (8) تفسير أبي السعود 3/708. (9) تفسير أبي السعود 3/708. الوقفة كاملة
٤٦٤ {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)} إن هذه الآية مناسبة لما ذكر قبلها من إيتاء موسى وهارون الفرقان ضياء وذكرا للمتقين. وأشار بقوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} إلى القرآن، أي هذا كتاب كثير البركة غزير النفع والخير. والإشارة إلى الذكر هنا مناسبة لما ذكره من الذكر في الآية السابقة. جاء في (تفسير أبي السعود): "(ذكر)... وصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقة لما مر في صدر السورة الكريمة" (1). ووصف الذكر بأنه مبارك وقدم الوصف بذلك على الإنزال. قد تقول: لقد قال في سورة الأنعام: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}. فقال في الأنعام: {وَهَذَا كِتَابٌ}. وقال ههنا: {وَهَذَا ذِكْرٌ}. وقدم الإنزال على وصفه بأنه مبارك في الأنعام فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}. وقدم الوصف بالبركة على الإنزال في آية الأنبياء. فلم ذاك؟ فنقول: إن كل تعبير مناسب للموطن الذي ورد فيه. فقد قال قبل آية الأنعام: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ (91)}. فقد ذكر قول القائلين: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} فأنكروا الإنزال أصلاً. ثم قال: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ}. فقدم الإنزال على كونه مباركًا لأنه هو مدار الإنكار والاهتمام فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}. ولما كان الله قد أنزله فهو مبارك ولا شك. ولما ذكر الكتاب في الآية فقال: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ}. ناسب أن يقول في الآية بعدها: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}. فناسب ذكر الكتاب في آية الأنعام سياقه، وناسب ذكر (الذكر) في الأنبياء سياقه. وناسب تقديم الإنزال على كونه مباركًا في آية الأنعام. ولما لم يذكر الإنكار للإنزال في آية الأنبياء قدم عليه ذكر الوصف بالبركة. ثم قال: {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ للمشركين (2). وقدم الجار والمجرور (له) على الخبر (منكرون) لأن الكلام عليه. جاء في (البحر المحيط): "لما ذكر وقرر أن إنكار من أنكر أن يكون الله أنزل على البشر شيئا وحاجهم بما لا يقدرون على إنكاره أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل على الرسول مبارك كثير النفع والفائدة. ولما كان الإنكار إنما وقع على الإنزال فقالوا: (ما أنزل الله) وقيل: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ}كان تقديم وصفه بالإنزال أكد من وصفه بكونه مباركًا، ولأن ما أنزل الله تعالى فهو مبارك قطعًا، فصارت الصفة بكونه مباركًا كأنها صفة مؤكدة إذ تضمنها ما قبلها. فأما قوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} فلم يرد في معرض إنكار أن ينزل الله شيئا بل جاء عقب قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} ذكر أن الذي آتاه الرسول هو ذكر مبارك. ولما كان الإنزال يتجدد عبر بالوصف الذي هو فعل، ولما كان وصفه بالبركة وصفًا لا يفارق عبر بالاسم الدال على الثبوت" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 123 إلى ص 125. (1) تفسير أبي السعود 3/708. (2) انظر البحر المحيط 6/317. (3) البحر المحيط 4/179. قصة سيدنا إبراهيم {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)} ورد هذا الجانب من قصة إبراهيم – أي محاجة إبراهيم لأبيه وقومه ودعوته لهم – في سورة الأنعام ومريم والأنبياء والشعراء والعنكبوت والصافات والزخرف، غير أناه لم تتكرر، بل ورد في كل موضع ما يناسب السياق وما يراد أن يسلط عليه من الضوء. ففي سورة الأنعام وهو أول موضع ورد فيه هذا الجانب كان الكلام مع أبيه متعجبًا مع الإنكار من أن يتخذ أصنامًا آلهة. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)}. وهو أول موضع ذكر اسم أبيه (آزر) ولم يكرره في موضع آخر، فاكتفى بذكره في الموضع الأول. كان الخطاب لأبيه وحده: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً} ولم يقل: (أتتخذون) فكان الحديث مع الأب. ثم قال: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي هذا ما يراه هو، ولم يذكر أنه جاءه بذلك وحي أو علم. فهو لم يقل له: (إنك وقومك في ضلال مبين) بل قال إن هذا ما يراه. ثم ذكرت القصة كيف اهتدى إلى ربه بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، إذ رأى كوكبًا فقال: هذا ربي، حتى إذا أفل قال: لا أحب الآفلين. ثم رأى القمر، فقال: هذا ربي، حتى إذا أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. ثم رأى الشمس فقال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت تبرأ من شرك قومه وخاطب قومه معلنًا براءته من شركهم وإيمانه بمن فطر السماوات والأرض. وحاجه قومه في ذلك لهم إيمانه بالله وأنه لا يخاف معبوداتهم التي يشركونها بالله (الآيات 74 - 81). وأما في سورة مريم فالقصة تبين أمرًا آخر، إذ سأل أباه أنه لم يعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئًا؟ ثم ذكر أنه قد جاءه من العلم ما لم يأته. وهذه مرحلة غير الحالة الأولى. فما ذكره في الأنعام أنه يراه وقومه في ضلال مبين، أي هذا ما يراه. أما في مريم فإنه ذكر لأبيه أنه قد جاءه من العلم ما لم يأته، وأنه طلب منه أن يتبعه ليهديه الصراط السوي. وهذا ما لم يذكره في الأنعام. فكأن هذه مرحلة تتلو المرحلة الأولى قبلها. ثم إن موقف أبيه منه قد تغير الآن، فإن أباه هدده بالرجم إن لم ينته، وأنه طلب منه أن يهجره. وقد أكد ذلك بالقسم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} وكان موقف إبراهيم في غاية حسن الأدب وتمني الهداية لأبيه قائلاً له: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} كما إن موقفه مع قومه قد اختلف. ففي الأنعام ذكر المحاجة مع قومه وانتهى الأمر عند ذاك. أما في هذه السورة سورة مريم فقد ذكر أنه سيعتزلهم وما يدعون من دون الله. وقد اعتزلهم فعلاً، فقد قال لقومه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)}. ثم نفذ هذا الأمر فاعتزلهم. وقد أخبر ربنا بذلك فقال: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)}. فما ورد في سورة مريم كأنه استكمال لما ورد في الأنعام. وهو الحالة الطبيعية في مواقف الحياة. وهذا ما ورد من القصة في سورة مريم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)} وأما ما ورد في سورة الأنبياء فالأمر مختلف. فإن الموقف قد اختلف، فالمحاجة قد اختلفت في الشدة، وإن العاقبة قد اختلفت. فالخطاب كان للأب في سورتي الأنعام ومريم. وأما في هذه السورة فكان الخطاب عامًا لأبيه وقومه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}. ولم يذكروا أمرًا في الإجابة عن هذا السؤال سوى أنهم وجدوا آباءهم لها عابدين. فقال لهم: {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فأخبرهم أنهم كانوا هم وآباؤهم في ضلال مبين. ولم يقل كما قال في الأنعام: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي هذا ما يراه. وإنما هو الآن قرر ذلك بعد ما جاءه العلم من ربه. ثم إن لم يذكر آباءهم في الأنعام بل ذكر أباه وقومه. أما الآن في سورة الأنبياء فإنهم بعد ما ذكروا أنهم وجدوا آباءهم لها عابدين قال لهم: {لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فقد ذكرهم وذكر آباءهم وقرر ذلك مؤكدًا بلام القسم (لقد). ثم كان عاقبة ذلك أن حطم الأصنام فجعلها جذاذًا إلا كبيرًا لهم. وقرروا إحراقه فلم يفلحوا. وأما في سورة الشعراء فذكر شيئًا آخر من قصة سيدنا إبراهيم مع أبيه وقومه، وهو المناقشة والحوار في أمر الأصنام وماذا تستطيع أن تفعله لهم. وذكر هو ربه وما يفعله له. فقد قال لأبيه وقومه سائلاً لهم: {مَا تَعْبُدُونَ} فأجابوه قائلين: نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين. فسألهم قائلاً: هل يسمعونكم إذا تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون؟ فلم يقولوا له: نعم هم كذلك، وإنما قالوا: {بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} فأعلن عداوته لهذه الآلهة ولم يعلن عداوته لهم فقال: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)} ثم ذكر ما يفعله له ربه رب العالمين: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)} وانتهى الأمر عند هذا الحد ولم يتعد المحاجة والمحاورة. ثم انتهت القصة بالدعاء لنفسه ولأبيه قائلاً: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} فأنت ترى أنه نفذ ما وعد أباه في سورة مريم أنه سيستغفر له ربه حين قال: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} فقد دعا ربه هنا في الشعراء بالمغفرة لأبيه قائلاً: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} تنفيذًا لما وعد، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114]. وأما ما ورد في العنكبوت فكأنه استكمال للحديث والمحاورة لما في الشعراء. إذ بعد أن ذكر لهم ما يفعله ربه له من الخير في الشعراء دعاهم في العنكبوت إلى أن يعبدوا الله ويتقوه ليصيبهم من النعم ما هو خير لهم. فإنه في الشعراء لم يدعهم إلى عبادة الله وإنما لم يتعد الأمر الحوار والحجاج، فلما تبين لهم ضعف حجتهم وأن آلهتهم لا تنفعهم شيئا دعاهم إلى عبادة الله. فذكر ما يفعله ربه له من النعم في الشعراء. وذكر في العنكبوت أنهم إن هم عبدوه واتقوه أفاض عليهم بالخير والنعم. قال تعالى: { وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) …… فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) } فما كانت نتيجة الحوار إلا أن قالوا: (اقتلوه أو حرقوه) فأنجاه الله من النار. فكأن هذا نتيجة الحوار والحديث لما ورد في الشعراء والعنكبوت. وأما ما ورد في سورة الصافات فإنه مختلف عن كل ما ورد، فإنه لما ضاق ذرعًا بمحاجتهم وأنهم لا يعبئون بحجة ولا يستمعون لقول، وليس عندهم حجة سوى أنهم رأوا آباءهم كذلك. إقرارهم بأنها لا تسمع أو تنفع أو تضر، وأنه لم ينفع معهم ترغيب أو ترهيب أخذ يقرعهم ويشتد عليهم في الكلام: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) }، فلم يقل: (ما تعبدون) كما قال في الشعراء، وإنما قال لهم: (ماذا تعبدون) فزاد في لفظة الاستفهام لقصد تقريعهم. ذلك أن المقام في الشعراء مقام استفهام ومحاجة، وفي الصافات مقام تقريع، يدل على ذلك قوله بعد هذه الآية: {أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)}. ثم انتهى الأمر بتحطيم الأصنام وإلقائه في النار (1). ومع أنه ذكر في سورتي الأنبياء والصافات تحطيم الأصنام فإن القصة لم تتكرر فيهما، فإنه ذكر في كل موضع ما لم يذكره في الآخر. فإنه هدد في الأنبياء أنه ليكيدن أصنامهم (٥٧). وفي الصافات ذكر الحجة التي اعتل بها لئلا يخرج معهم في عيدهم فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ }(2) ولم يذكر ذلك في الأنبياء. فقال: {أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ}. وذكر في الصافات أنهم قالوا: {ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)}. ولم يذكر ذلك في الأنبياء. ثم تسير القصة في الصافات مسارًا آخر غير مسارها في الأنبياء. فإنه ذكر في الأنبياء أنه نجاه ولوطًا إلى الأرض التي بارك فيها، وذكر شيئًا من قصة لوط. وأما في الصافات فقد ذكرت القصة الأمر بذبح ولده وما بعد ذلك. قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)....} وأما في الزخرف وهو آخر موضع وردت فيه هذه القصة فإنه لخص دعوته وخاتمة الأمر بإيجاز. فقد أعلن لأبيه وقومه براءته ما يعبدون أشد البراءة قائلاً لهم: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ}، واستثنى من ذلك من فطره فقال: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}. وأنه جعل هذه الكلمة باقية في عقبه، أي في ذريته فلا "يزال فيهم من يوحد الله تعالى ويدعو إلى توحيده عز وجل" (3). {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعله يرجع من يشرك بالله إلى التوحيد. قال تعالى في الزخرف: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)} ويمكن تلخيص قسم من أحداث القصة في السور التي ذكرناها بما يأتي: الدعوة: كان الحديث موجهًا إلى أبيه في الأنعام ومريم. وفي الأنبياء والشعراء والصافات والزخرف موجها إلى أبيه وقومه. وفي العنكبوت كان الكلام موجها لقومه؛ لأن الكلام كان لما هو خير لهم على العموم، ولأنه ذكر عاقبة الأمم المكذبة. فكان الكلام موجهًا لقومه على العموم. موقف إبراهيم: كان موقف إبراهيم في الأنعام لا يعدو المحاجة. وفي مريم كان اعتزاله لهم ولما يعبدون من دون الله. وفي الأنبياء والصافات تحطيم الأصنام مع الاختلاف في التفاصيل. وفي الشعراء التوسع في الاحتجاج. وفي العنكبوت ذكر المنافع والترغيب في عبادة الله والترهيب من معصيته. وفي الزخرف إعلان البراءة مما يعبدون إلا الذي فطره، وجعل كلمة التوحيد باقية في عقبه. موقف قومه منه: في سورة الأنعام ذكر محاجة قومه له ولم يذكر كيف كان الاحتجاج وما كانت حجتهم، والإلماح إلى أنهم خوفوه آلهتهم فقال لهم إنه لا يخاف ما يشركون به. وفي مريم ذكر تهديد أبيه له بالرجم. وفي الأنبياء ذكر سؤال قومه له عمن حطم آلهتهم، ومحاكمته أمام الناس والقضاء بتحريقه. وفي الشعراء لم يتعد الموقف المحاجة وانقطاعهم أمامه في الحجة. وفي العنكبوت ذكر عاقبة المحاجة وهي أنهم طلبوا قتله أو تحريقه. وفي الصافات قرروا أن يبنوا له بنيانًا ويلقوه في الجحيم. ولم يذكر البنيان في الأنبياء وإنما ذكر الحكم بتحريقه. فهناك ذكر الحكم، وهنا ذكر كيفية تنفيذ الحكم. عاقبة إبراهيم: لم يذكر عاقبة إبراهيم في الأنعام سوى أنه ذكر أنه وهب له ذرية صالحة. وفي مريم ذكر أنه لما اعتزل قومه وما يعبدون من دون الله وهب له إسحاق ويعقوب وجعل كلاً منهما نبيًّا. وفي الأنبياء ذكر أن النار جعلها بردًا وسلامًا، ونجاه ولوطاً إلى الأرض التي بارك فيها ووهب له إسحاق ويعقوب. ولم يذكر في الشعراء سوى الدعاء لنفسه في الدنيا والآخرة. وفي العنكبوت ذكر أن الله أنجاه من النار، وذكر أنه مهاجر إلى ربه، وأن الله وهب له إسحاق ويعقوب وآتاه أجره في الدنيا، وفي الآخرة هو من الصالحين. وفي الصافات ذكر أنهم أرادوا به كيدًا فجعلهم الأسفلين. وأنه بشره بغلام حليم، ثم بشره بإسحاق. كيفية النجاة: قال في الأنبياء: إنه قال للنار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، ونجاه ولوطاً إلى الأرض التي بارك فيها. وذكر في العنكبوت أنه أنجاه الله من النار ولم يقل كيف كان ذلك. وفي الصافات قال: {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} ولم يقل كيف كان ذلك. ونعود الآن لدراسة القصة دراسة بيانية. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 127 إلى ص 137. (1) انظر كتابنا (التعبير القرآني) 124 وما بعدها، درة التنزيل 336. (2) انظر تفسير ابن كثير 4/13، فتح القدير 4/389. (3) روح المعاني 25/77. الوقفة كاملة
٤٦٥ {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)} انتصب (نوحًا) على إضمار (اذكر) (1)، وقيل: هو معطوف على (لوطًا) "فيكون ذلك مشتركًا في العامل الذي هو آتينا" أي آتينا نوحًا حكمًا وعلمًا (2). و(من قبل) أي من قبل هؤلاء المذكورين (3). و(نصرناه) من القوم، أي نجيناه منهم. وقوله: (فاستجبنا) بالفاء يدل على تعقيب الاستجابة بعد النداء. ومن الملاحظ في هذه الآية أنه ذكر الفعل (نادى) ولم يذكر مفعوله، فلم يذكر من نادى ولا بماذا دعا. ولكن علم من قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} أنه نادى ربه. وعلمنا من الاستجابة فحوى الدعاء وهو نجاته وأهله ونصره وإهلاك قومه الكافرين. فقد قال في موضع آخر: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118] فدعا بالنجاة. وقال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 26]. وقال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: 10]. فدعا بالنصر. وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]. فدعا على قومه بالهلاك. وأمره ربه أن يحمل معه في الفلك فيما يحمل أهله إلا من سبق عليه القول منهم: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27] فدل ذلك على نجاة أهله. فكانت الاستجابة لكل ذلك. فقال: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ}، وهو إجابة الدعاء بالنجاة. وقال: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا}، فكانت الاستجابة بالنصر. وقل: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}، فكانت الاستجابة بإهلاك الكفرة. جاء في (تفسير الرازي): "لا شبهة في أن المراد من هذا النداء دعاؤه على قومه بالعذاب، ويؤيده حكاية الله تعالى عنه ذلك تارة على الإجمال وهو قوله: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}، وتارة على التفصيل وهو قوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]. ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى أجابه بقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}، وهذا الجواب يدل على أن الإنجاء المذكور فيه كان هو المطلوب في السؤال. فدل هذا على أن نداءه ودعاءه كاف بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من ضروب الأذى بالتكذيب والرد عليه، وبأن ينصره عليهم وأن يهلكهم فلذلك قال بعده: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} (4). لقد قال في هذه الآية: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى} ولم يذكر أنه نادى ربه كما أسلفنا. وقال في الصافات: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)} فقال: (نادانا) بذكر المفعول به وهو ضمير العظمة. ومن المناسب أن نذكر أنه لما قال: (نادانا) فأظهر ذاته سبحانه زاد في تفضله عليه بالإجابة. قال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)} فقال: {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} فأثنى على ذاته سبحانه. ثم تفضل على نوح بما لم يذكره في سورة الأنبياء، فقال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} وقال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} وقال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} وقال: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ضمير العظمة ورد في آيات الصافات أكثر مما ورد في هذه القصة في سورة الأنبياء. فإنه ورد في الأنبياء خمس مرات، وذلك في قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} {فَنَجَّيْنَاهُ} {وَنَصَرْنَاهُ} {بِآَيَاتِنَا} {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} وورد في آيات الصفات ثماني مرات. وذلك في قوله: {نَادَانَا} {وَنَجَّيْنَاهُ} {وَجَعَلْنَا} {وَتَرَكْنَا} {إِنَّا كَذَلِكَ} {نَجْزِي} {عِبَادِنَا} {أَغْرَقْنَا}. فناسب ذلك افتتاح الآيات في الصافات بقوله: {وَلَقَدْ نَادَانَا} ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 174 إلى ص 177. (1) البحر المحيط 6/330. (2) انظر البحر المحيط 6/330. (3) الكشاف 2/333. (4) تفسير الرازي – المجلد 8/162. الوقفة كاملة
٤٦٦ {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} وردت قصة يونس في أكثر من موضع وهي لم تتكرر شأن القصص القرآني. فقد وردت في سورة يونس والأنبياء والصافات والقلم. أما في يونس فقد وردت الإشارة إلى قومه وإيمانهم في آية واحدة، فذكر ربنا سبحانه أنه استثناهم من سائر القرى والأقوام فقد آمنوا فلم يعذبهم وذلك قوله سبحانه: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)} ووردت في سورة الأنبياء فلم يذكر دعوته ولا موقفًا له مع قومه سوى أنه خرج مغاضبًا فوقع في غم فدعا ربه فنجاه منه. ولم يذكر ما هذا الغم سوى أنه قال إنه نادى ربه في الظلمات، ولم يذكر ما هذه الظلمات. وهذا ما ورد منها: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88}. ووردت في الصافات وهي أكثرهن تفصيلاً وذكر فيها ما لم يذكره في المواطن الأخرى من أبقه إلى الفلك، أي هرب من غير خوف، وأنه ساهم أي اقترع فلم يفلح في القرعة، وأنه ألقي في البحر فالتقمه الحوت ثم نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء وهو مريض، وأنبت عليه شجرة يقطين وأرسله إلى قومه وذكر عددهم، وأن قومه آمنوا فمتعهم ربهم إلى حين. وهذا ما ورد في الصافات: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)} وأما في سورة القلم فإنه لم يذكر من هذه القصة إلا مخاطبة الله لرسوله أن يصبر وألا يكون احب الحوت إذ دعا ربه وهو مكظوم فتداركته نعمة من ربه فاجتباه ربه فجعله من الصالحين. وهذا ما ورد منها في هذه السورة. {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)} فأنت ترى أنها ليست متطابقة، بل ذكر في كل موضع ما أراد سبحانه أن يركز عليه وما يتناسب مع السياق الذي ورد فيه ذكره. والآن نرجع إلى ما ورد منها في سورة الأنبياء للنظر فيها من الناحية البيانية. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 197 إلى ص 198. {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88 } ورد اسمه عليه السلام وهو يونس في أكثر من موضع. وورد هنا باسم ذي النون، وورد في موضع آخر باسم صاحب الحوت. والنون هو الحوت، وذو النون أي صاحب الحوت. وفرّق النحاة بين (ذو) و(صاحب) أن (ذا) لا تضاف إلى مضمر ولا إلى وصف وإنما تضاف إلى اسم ظاهر غير صفة، وما خالف ذلك فهو نادر (1). وأما (صاحب) فتضاف إلى ظاهر ومضمر، ووصف وغير وصف فتقول: (هو صاحبنا)، وهو صاحب القائمين بالحق، وهو صاحب القائمين بالحق، وهو صاحب الراكع الساجد محمود. والملاحظ في استعمال القرآن لهاتين اللفظتين أنه يستعمل (ذا) للعاقل وغيره، ولم يستعمل كلمة (صاحب) إلا للعاقل. قال سبحانه: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12]. وقال: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14]. وقال: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37]. وهي هنا لغير العاقل. وقال: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26]. وقال: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16]. وقال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280]. وهي هنا للعاقل. ومن الأعلام المصدرة بذي في القرآن (ذو القرنين) و(ذو الكفل). أما (صاحب) فلم ترد إلا للعاقل: مفردة أو مثناة أو مجموعة، (كصاحب الحوت)، وقوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36]، وقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22]، وقوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} [التوبة: 40]، وقوله: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [يوسف: 39]. ونحو أصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحجر وأصحاب مدين وأصحاب موسى وغير ذلك. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه لم يرد من هاتين الكلمتين وصف له سبحانه إلا كلمة (ذي) نحو: (والله عزيز ذو انتقام) و(ذو العرش المجيد) و(ذو رحمة واسعة) و(ذو فضل على الناس) و(ذو الجلال والإكرام) و(ذو عقاب أليم). والذي يبدو من استعمال هاتين اللفظتين أن (ذا) كأنها تستعمل أحيانًا أخص وألصق فلا يصح أو لا يحسن استعمال (صاحب) محلها وذلك نحو قوله: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} فلا يحسن أو لا يصح أن يقال: (في يوم صاحب مسبغة). وقوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} وقوله: {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} وقوله: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} فإنه لا يصح استعمال (صاحب) مكانها. ولا يصح في نحو قولك: (الدواء ذو مرارة) أن يقال: (الدواء صاحب مرارة). إن لفظة (صاحب) قد تفيد المصاحبة، وأما (ذو) فإنها قد تكون لما هو من صفات الشيء أو خصوصياته. فقولك مثلاً: (هو صاحب أبي بكر) أن يقال بدله: (هو ذو أبي بكر)، ولا يصح في قولك: (هو لا يصح صاحب زيد) أن يقال: (هو ذو زيد). وكذلك في أسماء الأعلام نحو (ذي القرنين) فلا يصح أن يقال فيه: (صاحب القرنين). ونحوه: ذو يزن، وذو رعين، وذو نواس، وذو الكلاع، وهي ألقاب لبعض من ملوك اليمن التبابعة (2) وأما بالنسبة لاستعمال هذين الاسمين لسيدنا يونس عليه السلام فالذي يبدو - والله أعلم - أنه استعمل ذا النون فيما هو أمدح له. ذلك أنه استعمل (صاحب الحوت) في مقام النهي عن أن يكون رسول الله  مثله في قلة صبره، قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ}. وأما اسم (ذي النون) فاستعمله في مقام تسبيحه واعترافه بظلمه لنفسه واستجابة ربه لدعائه، ثم قال: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} أي إذا وقعوا في غم فسبحوا ربهم أنجاهم ربهم سبحانه كما نجي ذا النون، فإن التسبيح ينجي من الغم ومدعاة لإجابة دعائهم. ولقد طلب سبحانه من نبيه عليه السلام عندما ضاق صدره بما يقول قومه أن يسبح بحمد ربه فقال له: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)} [الحجر: 97 – 98]. وقال له أيضًا: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130]. وقال في ذي النون: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144]. جاء في (الإتقان) للسيوطي: "قال السهيلي: الوصف بـ (ذو) أبلغ من الوصف بصاحب، والإضافة بها أشرف. فإن (ذو) يضاف للتابع و(صاحب) يضاف إلى المتبوع، تقول: أبو هريرة صاحب النبي، ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة. وأما (ذو) فإنك تقول: ذو المال وذو العرش، فتجد الاسم الأول متبوعًا غير تابع. وبني على هذا أنه تعالى قال في سورة الأنبياء: (وذا النون) فأضافه إلى النون وهو الحوت. وقال في سورة (نون): {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ}، قال: والمعنى واحد ولكن بين اللفظين تفاوت كثير في حسن الإشارة إلى الحالين. فإنه حين ذكره في معرض الثناء عليه أتى بـ (ذي) لأن الإضافة بها أشرف وبالنون لأن لفظه أشرف من لفظ الحوت لوجوده في أوائل السور، وليس في لفظ الحوت ما يشرفه بذلك، فأتى به وبصاحب حين ذكره في معرض النهي عن اتباعه" (3). {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي ذهب غاضبًا على قومه لعدم استجابتهم له من دون أن يأذن الله له بذلك فتركهم ليدعو إلى دين الله في مكان آخر، وظن أن ذلك يسوغ له وأن الله لن يضيق عليه وأن في الأمر سعة. ومعنى (لن نقدر عليه ) لن نضيق عليه كقوله تعالى: {اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26]، وقوله: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 16]. جاء في (الكشاف): "(النون): الحوت، فأضيف إليه. برم بقوله لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبًا لله وأنفة لدينه وبغضًا للكفر وأهله. وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت... (فقدر عليه) فسرت بالتضييق عليه" (4). {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} الفاء فصيحة أفصحت عن المحذوف وهو ما كان من المساهمة وهي الاقتراع وإلقائه في البحر والتقام الحوت له. أي ركب الفلك فساهم فدحض في المساهمة ولم يفلح، فألقي في البحر فالتقمه الحوت فنادى ربه. جاء في (روح المعاني): "(فنادى) الفاء فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقام الحوت فنادى. (في الظلمات) أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت جعلت الظلمة لشدتها كأنها ظلمات... أو الجمع على ظاهره والمراد ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل" (5). وقوله: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} إقرار بظلمه لنفسه. وقال: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فوصف نفسه بالظلم الثابت فجاء بالصيغة الاسمية، ذلك أنه استعظم ما فعله من غير إذن ربه له. جاء في (التحرير والتنوير) في قوله: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} "مبالغة في اعترافه بظلم نفسه" (6). ولعل في هذا الترتيب إشارة إلى ما يحسن بالداعي أن يفعله وهو البدء بالثناء على الله ثم يدعو بحاجته والله أعلم. والمقصود بالنداء هنا الدعاء، بدليل قوله سبحانه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} ذكرنا في موضع سابق من السورة مجيء التنجية بالواو ومجيئها بالفاء، ومنها ما ورد في هذه الآية فلا نعيد القول فيه. ومن الملاحظ أن قال: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} فقال أولاً: (نجيناه) ثم قال: (وكذلك ننجي). و(ننجي) مضارع (أنجي - أنجينا). فاستعمل (نجى) أولاُ، واستعمل (أنجى) بعد ذلك. وقد ذكرنا في أكثر من موضع أن (نجى) يفيد التلبث والتمهل في التنجية، وأن (أنجى) يفيد الإسراع فيها. فإن (أنجى) أسرع من (نجى) في التخليص من الشدة والكرب (7). فاستعمل (نجى) الذي يفيد المكث والتلبث مع رسوله، واستعمل (أنجى) الذي يفيد الإسراع في النجاة مع المؤمنين، ذلك لأن الرسل أعظم صبرًا من عامة المؤمنين. ولذلك قال: (ننجي) مع المؤمنين، أي يخلصهم ربنا مما هم فيه بسرعة لأنهم ليس لهم صبر كصبر الرسل. وهذا من لطف الله بهم ورحمته لهم. ونحو ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103]. جاء في (نظم الدرر): "ذكر التنجية أولاً يدل على مثلها ثانيًا، وذكر الإنجاء ثانيًا يدل على مثله أولاً. وسر ذلك الإشارة إلى شدة العناية بالمؤمنين؛ لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أشار إليه بحديث: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) (يبتلى المرء على قدر دينه) فيسلّهم سبحانه من البلاء كما تسلّ الشعرة من العجين، فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء" (8). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 198 إلى ص 205. (1) انظر شرح الأشموني 1/73، شرح التصريح 1/63. (2) انظر (لسان العرب) (ذو) 20/345. (3) الإتقان في علوم القرآن 2/292 – 293 وانظر البرهان في علوم القرآن للزركشي 4/279. (4) الكشاف 2/335. (5) روح المعاني 17/84، وانظر فتح القدير 3/410ـ ابن كثير 3/192. (6) التحرير والتنوير 17/132. (7) انظر كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) ص 74 وما بعدها. (8) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 12/467. الوقفة كاملة
٤٦٧ {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110)} لقد خصص ذكر الجهر بالقول فقال: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ} لأن الجهر قد يكون في غير القول. فقد يكون الجهر بما يدرك بالبصر، قال تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55]، وقال: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} [الأنعام: 47]. جاء في (المفردات في غريب القرآن): "(جهر) يقال لظهور الشيء بإفراد حاسة البصر أو حاسة السمع. أما البصر فنحو (رأيته جهارًا)، قال الله تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}. وأما السمع فمنه قوله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}، وقال عز وجل:... {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} (1). وقد خصص الجهر بالقول في الآية لأن السياق في القول، فقد قال قبل الآية: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109)} فالسياق كما هو ظاهر في التبليغ. لقد قال سبحانه: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} فأسند الكتمان إليهم ولم يسند الجهر إليهم، فلم يقل: (يعلم ما تجهرون من القول ويعلم ما تكتمون) وذلك لأن الجهر ليس خاصًا بهم، فقد جهر الرسول بالقول وبلغهم وآذنهم على سواء فجهر بذلك. وهم يجهرون بكفرهم فأطلقه. وأما الكتمان فقد أسنده إليهم لأن الكلام عليهم، فهم الذين يكتمون في صدورهم ما يكتمون وما يضمرون من الحقد ونحوه. جاء في (الكشاف): "والله عالم لا يخفى عليه ما تجاهرون به من كلام الطعانين في الإسلام، وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والأحقاد للمسلمين، وهو يجازيكم عليه" (2). قد تقول: ولكن قد يطلق الجهر والخفاء أحيانًا، وقد يضيفهما إلى المخاطبين. فقد قال تعالى في سورة الأعلى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)} فأطلق الجهر والخفاء. وقال في موضع آخر: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام: 3]. فأضاف السر والجهر إليهم فما الفرق؟ فنقول: إن كل تعبير مناسب لسياقه الذي ورد فيه. أما آية الأعلى فإن الكلام فيها عام غير مقيد بالإنسان. قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى: 1 - 5]. فليس الكلام على الإنسان أصلاً وإنما الكلام على الله سبحانه وصفاته. ثم إنه أطلق الأفعال أيضًا. فقد قال: (خلق) ولم يخصص الخلق بشيء معين. وقال: (فسوى)، وقال: (والذي قدر) و(فهدى). وكلها أفعال مطلقة غير مقيدة. ثم قال: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى } وليس ذلك في الكلام على الإنسان، وإنما هو كله في صفات الله سبحانه وقدرته، فأطلق الجهر والخفاء على العموم ولم يسنده أو يضفه إلى معين. وأما آية الأنعام وهي قوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} فقد أضاف السر والجهر فيها إلى ضمير المخاطبين لأن الكلام على الإنسان. فقد قال سبحانه قبل الآية: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)} فالكلام كما هو واضح على الإنسان. وقد خاطبهم بذلك فناسبت الإضافة إليهم. فكان كل تعبير مناسبًا لسياقه الذي ورد فيه. وهذا ظاهر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 259 إلى ص 261. (1) مفردات الراغب (جهر). (2) الكشاف 2/339. الوقفة كاملة
٤٦٨ {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)} أي "وما أدري لعل تأخير هذا الموعد امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو تمتيع لكم إلى حين ليكون ذلك حجة عليكم وليقع الموعد في وقت هو فيه حكمة" (1). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 261 إلى ص 262. (1) الكشاف 2/339. الوقفة كاملة
٤٦٩ {قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)} أي دعا الرسول بذلك فقال: رب احكم بالحق. و(رب) منادى مضاف إلى ياء المتكلم، أي يا رب احكم على هؤلاء بالحق وعجل لهم العقوبة وشدد عليهم العذاب بما يستحقون ولا ترحمهم. جاء في (الكشاف): "ومعنى (بالحق) لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم" (1). وجاء في (روح المعاني): "والحق: العدل، أي رب اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضي لتعجيل العذاب والتشديد عليهم، فهو دعاء بالتعجيل والتشديد وإلا فكل قضائه تعالى عدل وحق" (2). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي: {رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ} فيه وجوه: أحدها: أي رب اقض بيني وبين قومي بالحق، أي بالعذاب، كأنه قال: اقض بيني وبين من كذبني بالعذاب. وقال قتادة: أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: ۸۹] فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر. وثانيها: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع وهو أن تنصرني عليهم" (3). {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ} أضاف الرب إلى ضمير المؤمنين وجاء باسمه الرحمن، أي نستعين بربنا الرحمن ليرحمنا ويعيننا على ما تصفون. وقرأ الأكثرون (قل) بالأمر (4). وأنزلت القراءتان مرة بالأمر ومرة بالفعل الماضي ليدل سبحانه على أنه أمر رسوله بالدعاء فدعا. والله أعلم. {عَلَى مَا تَصِفُونَ} يعني ما تذكرونه من الشرك والأباطيل ونحو ذلك مما يصفون الله مما لا يليق به سبحانه. وما يصفون به رسوله من صفات الاستخفاف والاستهزاء كوصفه بالجنون والكذب والسحر. ويصفون به المؤمنين من صفات الاستهجان والاستهزاء بهم ووصفهم لهم بالضلال كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [البقر: 212]. وقالوا لهم: { إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [يس: 47]. وقالوا: { إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك: 9]. وكانوا يقولون إذا رأوا المؤمنين: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53]. ونحو ذلك من صفات الاستكبار والاستخفاف بهم. وكانوا يطمعون أن يكون لهم النصر والغلبة وأن العاقبة لهم فخيب الله أملهم. جاء في (الكشاف): "كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر رسوله  والمؤمنين، وخذلهم" (5). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي: "أما قوله تعالى: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ففيه وجهان: أحدهما: أي من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل والتكذيب. كأنه سبحانه قال: قل داعيًا لي: {رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ} وقل متوعدًا للكفار: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}... أي قل لأصحابك المؤمنين: وربنا الرحمن المستعان على ما يصف الكفار من الأباطيل. أي من العون على دفع أباطيلهم. وثانيها: كانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسوله  والمؤمنين وخذلهم" (6). وقرئ: (على ما يصفون) وذلك - والله أعلم - ليذكر حالتين، حالة مواجهتهم فيقول لهم: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} وحال غيبتهم فيقول للمؤمنين: (وربنا الرحمن المستعان على ما يصفون). فجمع في القراءتين حالتي المواجهة والغيبة. وقال: {عَلَى مَا تَصِفُونَ} بالفعل المضارع ولم يقل: (على ما وصفتم) بالفعل الماضي؛ وذلك لأنهم يكررون الأوصاف ويذكرونها باستمرار. إن هذه الآية فيها جانبان: جانب يتعلق بالأشخاص. وجانب يتعلق بالمعتقدات. أما الجانب الأول فهو قوله: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ} فهو دعاء على الكافرين بأن يحكم عليهم بالعدل لا بالرحمة. وأما الجانب الآخر فهو قوله: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} فهو استعانة على معتقداتهم وما يصفونه على العموم. وفي ختام السورة يحسن أن نشير إلى ارتباط خاتمة السورة بأولها كما أشرنا إلى ارتباط مفتتح السورة بخاتمة السورة التي قبلها، أعني سورة (طه) في مفتتح السورة فنقول: إنه من النظر في أول السورة وخاتمتها يتضح أن بينهما مناسبة ظاهرة وارتباطاً بينا. فقد ابتدأت السورة باقتراب الحساب للناس وهو قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}. وختمت باقتراب الوعد الحق وأحداث الساعة وما بعدها إلى ورود النار أو دخول الجنة، ابتداء من قوله سبحانه: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وما بعد ذلك من الآيات. وذكر الغفلة في أول السورة وذلك قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}. وقال في أواخرها: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا}. كأن ذلك تسلسل مشهد متصل (7). وهو شأن السور على العموم في التناسب بين المفتتح والخواتيم (8). جاء في (نظم الدرر): "فقد انطبق آخر السورة على أولها بذكر الساعة ردًا على قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} وذكر غفلتهم وإعراضهم. وذكر القرآن الذي هو البلاغ، وذكر الرسالة بالرحمة لمن نسبوه إلى السحر وغيره، وتفصيـل مـا استعجلـوا بـه مـن آيـات الأوليـن وغيـر ذلك" (9). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 262 إلى ص 266. (1) الكشاف 2/339. (2) روح المعاني 17/108 وانظر تفسير أبي السعود 3/732. (3) التفسير الكبير 8/195. (4) انظر النشر في القراءات العشر 2/365. (5) الكشاف 2/340 (6) التفسير الكبير 8/196. (7) انظر كتابنا (التناسب بين السور في المفتتح والخواتيم) 33 – 34. (8) انظر القسم الأول من كتابنا (التناسب بين السور في المفتتح والخواتيم). (9) نظم الدرر 12/515. الوقفة كاملة
٤٧٠ {يس (1)} قيل في الأحرف المقطعة كلام كثير، وأنا لا استطيع أن أذكر أكثر مما ذكروا، غير أني أود ان أقول هنا إن هذه الاحرف مهما قيل فيها فإنها تلفت انتباه السامع وتجعله يصغي إلى ما يقال بعدها فكأنها وسيلة تعبيرية تشد الذهن، ولذا قال قوم: إنها فواتح للتنبيه واستئناف الكلام. وقال آخرون إنها إشارة إلى حروف المعجم، كأنه قال للعرب: إنما تحديتكم بنظم هذه الحروف التي تعرفونها فأنا أجعل منها كلامًا معجزًا يعجز عن مثله الإنس والجن ولو تظاهروا عليه. وقال قوم: إن المشركين لما أعرضوا عن سماع القران بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيستمعون القران بعدها فتجب عليهم الحجة (1). وأريد أن أشير إلى أمر أخر بخصوص (يس)؛ فقد ذهب بعضهم إلى أنه اسم من أسماء محمد  بدليل قوله بعدها: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (2). ولا أرى هذا الاستدلال سديدًا، فقد ورد خطاب الرسول  بعد غيرها من الأحرف المقطعة مما يعلم يقينًا أنه ليس من أسماء الرسول. فقد قال تعالي: {حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} }الشورى:1 - 3{، وقال: {كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} }مريم:1 - 2{، وقال: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)} }القلم:1 - 3{ ولم يقل أحد إن {حم (1) عسق} أو {كهيعص} أو {ن} من أسماء الرسول. جاء في (التبيان في أقسام القران): "والصحيح أن يس بمنزلة حم والم ليست من أسماء النبي " (3). (1) انظر البحر المحيط 1/34. (2) انظر البحر المحيط 7/322 – 323، فتح القدير 4/348. (3) التبيان في أقسام القرآن 267. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 5 إلى ص 6 الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 461 إلى 470 من إجمالي 1052 نتيجة.