تفسير و تدارس

٤٥١ التعليق على تفسير القرطبى سورة طه الوقفة كاملة
٤٥٢ التعليق علي تفسير ابن كثير سورة ق الوقفة كاملة
٤٥٣ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٥٤ التعليق على تفسير القرطبى سورة الاحزاب الوقفة كاملة
٤٥٥ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٥٦ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٥٧ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٥٨ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٥٩ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٤٦٠ التعليق على تفسير الطبرى سورة الحاقة الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٤٥١ {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 67 - 68] ذكرنا في كتابنا (أسئلة بيانية) قوله: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} وقوله: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 94] بالتذكير والتأنيث فلا نعيد القول فيهما. وذكرنا في القصة إفراد الديار مع الرجفة وجمعهما مع الصيحة. {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي كأنهم لم يكونوا فيها ولم يقيموا فيها مستغنين بها عن غيرها. جاء في (المفردات في غريب القرآن) للراغب الأصفهاني: "غني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيًا به عن غيره بغنى، قال: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}" (1). أما بقية التعبير فقد ورد نحوه في قصة هود. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 262 إلى ص 263. (1) المفردات للراغب الأصفهاني (غني). قصة إبراهيم من سورة هود {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود} [هود: 69 – 76] من سورة الحجر {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} [الحجر: 51 - 58] من سورة الذاريات {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} [الذاريات: 24 – 32] من سورة العنكبوت {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 31 – 32] ورد هذا الجانب من قصة إبراهيم في ثلاث سور هن هود والحجر والذاريات، كما وردت لها إشارة يسيرة في سورة العنكبوت في أثناء قصة لوط. وهي في كل ما ورد منها مدخل إلى قصة لوط. ولوط آمن لإبراهيم وهاجر إلى ربه كما قال تعالى: {فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26]. وهو ابن أخيه، فلا غرو أن يذكر جانبًا من قصة إبراهيم مدخلاً إلى قصة لوط. وما يذكر من هذه القصة فيه تبسط في بعض المواضع، وفي بعضها إيجاز، وذكر جانب منها وطي جانب آخر بحسب السياق الذي ترد فيه. وقد ذكرنا في كتابنا (لمسات بيانية) هذا الجانب من القصة من سورتي الحجر والذاريات، وبيان شيء من اللمسات البيانية فيهما فلا نكرر القول ذلك. في لقد ذكر في هذا الموضع من القصة أمورًا لم تذكر في مواضع أخرى، وهو نحو ما ذكرنا في القصص السابقة، فإنه لم يكرر القصة وإنما يذكر في كل موضع جانبًا لم يذكر في موضع آخر. 1- فقد ذكر ههنا وفي العنكبوت أنه جاءته رسل ربه. فقد قال ههنا: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}، وفي العنكبوت: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} [العنكبوت: 31]. وأما في سورتي الحجر والذاريات فقد ذكر أنهم ضيفه. فقد قال في الحجر: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} [الحجر: 51]، وقال في الذاريات: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} [الذاريات: 24]. ۲- ذكر تحيتهم ورد التحية عليهم في هود والذاريات. وذكر في الحجر تحيتهم ولم يذكر رد التحية عليهم. وأما في العنكبوت فلم يذكر تحية ولا رد تحية، وإنما هو دخول مباشر إلى قصة لوط بعد المجيء بالبشرى. 3- ذكر تقديم الطعام لضيفه في هود والذاريات، ولم يذكر ذلك في الحجر. 4- ذكر في الذاريات أنه دعاهم إلى الأكل قائلاً: {أَلَا تَأْكُلُونَ}، ولم يذكر ذلك في هود، غير أنه لما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام نكرهم وأحس منهم خيفة. 5- ذكر في هود أن امرأته كانت قائمة وأنها ضحكت بعد ذكر الرسل أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. ولم يذكر ذلك في أي موضع آخر. 6- ذكر في هود أنهم بشروها بالولد، في حين أن البشارة كانت لإبراهيم في الحجر والذاريات. 7- في هود بشروها بولد وبولد الولد، في حين كانت البشرى في الحجر والذاريات بالولد ولم يذكر ولد الولد. ۸- ذكرت البشارة اسمي الولد وولد الولد في هود، ولم يذكر ذلك في الحجر ولا في الذاريات، وإنما ذكر البشرى بغلام عليم. ففي هود ذكر اسم العلم، وفي الحجر والذاريات ذكر صفته. 9- ذكر في هود عجب امرأة سيدنا إبراهيم ومحاورتها للملائكة وأنها تبسطت في ذكر العجب. ولم يذكر في الحجر ذلك. وأما في الذاريات فلم تزد على أن صكت وجها وقالت: {عَجُوزٌ عَقِيمٌ}. 10- ذكر في الحجر محاورة إبراهيم للملائكة في هذه البشرى وكيف أنهم بشروه بعد أن مسه الكبر. ولم يرد ذلك في موضع آخر. ففي هود والذاريات كان الكلام فيما يتعلق بالبشرى بين زوجه والملائكة، وفي الحجر كان الكلام بينه وبين الملائكة. ۱۱- ذكر تبسط الملائكة في الكلام مع زوج إبراهيم في هود فيما يتعلق بعجبها. ولم يرد مثل ذلك في الذاريات، وإنما قالوا لها: {كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}. 12- سألهم إبراهيم عن الغرض من مجيئهم في الحجر والذاريات قائلًا: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} [الحجر: 57، الذاريات: 31]. فبينوا له سبب ذلك. في حين ذكروا ذلك ابتداء في هود من غير أن يسألهم، وكذلك في العنكبوت. فالقصة كما ترى ليست متطابقة. الوقفة كاملة
٤٥٢ جانب من التفسير البياني {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] لقد غير الأسلوب الذي اتبعه في قصص الأنبياء الآخرين في هذه السورة كقصة نوح وهود وصالح وغيرهم، فقد قال في ابتداء تلك القصص: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}. في حين قال ههنا: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}. ذلك أن الغرض والهدف مختلف عن تلك القصص، فإن قصص بقية الرسل إنما هي في إرسالهم إلى أقوامهم وتبليغهم دعوة ربهم وإنذارهم وذكر عاقبتهم، وليس الأمر كذلك في قصة إبراهيم هذه، وإنما الغرض إنما هو ذكر المجيء بالبشرى وأن تكون القصة مدخلاً إلى قصة لوط. فهي محطة في الطريق إلى قوم لوط. جاء في (روح المعاني): {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ}: وإنما أسند إليهم المجيء دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط لقوله تعالى: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وإنما جاؤوه لداعية البشري. قيل: ولما كان المقصود في السورة الكريمة ذكر صنيع الأمم السالفة مع الرسل المرسلة إليهم، ولحوق العذاب بهم، ولم يكن جميع قوم إبراهيم عليه السلام من لحق بهم العذاب، بل إنما لحق بقوم لوط منهم خاصة غير الأسلوب المطرد فيما سبق من قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ثم رجع إليه حيث قيل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}" (1). وجاء في (البحر المحيط): "تقدم أن ترتيب قصص هذه السورة كترتيب قصص الأعراف، وإنما أدرج شيئًا من أخبار إبراهيم عليه السلام قصة صالح ولوط لأن له مدخلًا في قصة لوط، وكان إبراهيم ابن خالة لوط، والرسل هنا الملائكة بشرت إبراهيم بثلاث بشائر: بالولد وبالخلة وبإنجاء لوط ومن آمن معه" (2). وقوله: (بالبشرى) قيل: هي البشرى بالولد (3)، وقيل: بأمور أخرى منها ما ذكره صاحب البحر المحيط. {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} ذكرنا هذا التعبير في أكثر من موضع، وقد قلنا: إن تحية الملائكة كانت بالجملة الفعلية، أي نسلم سلامًا، بدليل نصب السلام، وإن تحية إبراهيم بالجملة الاسمية بدليل رفع السلام، أي سلام عليكم. والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الفعلية، فهو رد التحية بخير منها. {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} أي فما أبطأ في المجيء أو عن المجيء، والفاعل ضمير مستتر يعود على إبراهيم، والمصدر المؤول منصوب بنزع الخافض وهو على تقدير (في) أو (عن). ويحتمل أن يكون المصدر المؤول فاعلاً، أي فما تأخر مجيئه (4). جاء في (الكشاف): {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه" (5). ولم يذكر حرف الجر، فلم يقل: (فما لبث في أن جاء) أو (عن أن جاء) وذلك ليتسع المعنى ويشمل أكثر من دلالة. فالتعبير يحتمل عدة معان كلها مرادة والله أعلم. فهو يحتمل أن يكون المعنى: فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ مجيئه. ويحتمل أن يكون ما أبطأ إبراهيم في المجيء، ولا أبطأ عن المجيء. {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ }العجل: ولد البقرة. والحنيذ: السمين المشوي الذي يقطر دسمه. والحنيذ هو المشوي بالرضف وهي الحجارة في أخدود (6). جاء في (البحر المحيط): "حنذت الشاة أحنذها حنذًا: شويتها، وجعلت فوقها حجارة لتنضجها فهي حنيذ" (7). وجاء في (لسان العرب): "الحنيذ من الشواء الحار الذي يقطر ماؤه وقد شوي" (8). والمعنى أنه جاء بعجل مشوي حار سمين يقطر ودكه. ففي الحنيذ ثلاث صفات: 1- أنه سمين. ٢- ومشوي. 3- وحار يسيل دسمه ويقطر ماؤه، وهذا غاية الإكرام، فإنه عجل في تقديم أحسن الطعام لضيفه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 265 إلى ص 274. (1) روح المعاني 12/93. (2) البحر المحيط 5/241. (3) انظر الكشاف 2/105. (4) انظر روح المعاني 12/94. (5) الكشاف 2/106. (6) انظر الكشاف 2/106، روح المعاني 12/94. (7) البحر المحيط 5/236. (8) لسان العرب (حنذ). الوقفة كاملة
٤٥٣ {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} ولم يقل: (أعز عليكم مني) لأن الله هو الذي أرسله فعزته من عزة مرسله. فإن الرسول عزته إنما هي من عزة من أرسله، فكلما كان المرسل عزيزًا كان رسوله كذلك. {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} قال: (إن ربي) بإضافة الرب إليه لأنه سيده والقيم عليه. ولم يقل: ( ربكم) وإنما أضاف الرب إليه ليدل على عزته. وقدم الجار و المجرور (بما تعملون) على خبر إن (محيط)؛ وذلك لأن الكلام على عملهم وقد مر ذكر الكثير من أعمالهم. فإنه سبق هذه الآية ذكر العمل، وجاء بعدها ذكر العمل فقال: {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } {إِنِّي عَامِلٌ} فناسب تقديم قوله: (بما تعملون). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 325 إلى ص 326. الوقفة كاملة
٤٥٤ {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] معني قوله: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي داوموا على ما أنتم عليه من الكفر فسوف تعملون عاقبتكم وترون جزاء إصراركم. ومعنى قوله: {إِنِّي عَامِلٌ} أي أنا مداوم على عملي مستمر على ذلك من الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته. {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} قال هنا: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} وقال في قصة نوح في هذه السورة: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} بإدخال الفاء على (سوف). والذي يظهر أن إدخال الفاء هنا أكد من عدم ذكرها، فقد يفيد إدخال الفاء التوكيد في مواضع" (1). والذي يؤيد ذلك ما جاء في الآيتين: 1- فقد قال في قصة نوح: { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود: 39]. وقال في قصة شعيب هذه: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} فزاد في قصة نوح {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} ولم يقل مثل ذلك في قصة شعيب. 2- إن ربنا قال لسيدنا نوح: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ولم يقل مثل ذلك في قصة شعيب. 3- إن ربنا أخبر نوحًا بتعجيل عقوبة قومه وطلب منه أن يصنع الفلك. {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]. ولم يخبر شعيبًا بنهاية قومه. 4- إن هذا القول قاله سيدنا نوح وهو يصنع الفلك، وذلك يدل على قرب نهاية القوم وعقوبتهم. كل ذلك يدل على توكيد نهاية القوم في قصة نوح ودنو ساعة النجاة. ولست أدري فلعل إدخال الفاء على (سوف) يدل على أن مجيء العذاب لقوم نوح أقرب من مجيئه لقوم شعيب وإن كانا جميعًا في المستقبل، فإن الفاء قد تفيد التعقيب. إن (سوف) في كلا الموضعين تفيد الاستقبال، غير أن دنو العذاب من قوم نوح أقرب. ولعل إدخال الفاء إشارة إلى ذلك، علاوة على ما ذكرنا من التوكيد والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 326 إلى ص 327. (1) انظر معاني النحو 4/127 وما بعدها (باب الشرط)، وانظر حاشية الدسوقي 1/177. الوقفة كاملة
٤٥٥ {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] في هذه الآية أمور بيانية دقيقة نذكر منها: 1- أنه قال: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ} ولم يقل: (فلم تغن) ذلك أن النفي بـ (ما) أكد؛ لأنه جواب لـ (لقد)" (1). و(لقد) جواب قسم مقدر، ويدل على ذلك الاستعمال القرآني في نحو هذا الاستعمال، فقد قال أصحاب الأعراف في الآخرة لأهل النار: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف: 48] فنفى بـ (ما) وذلك لشدة الأمر وفظاعته.وقال في هلاك أصحاب الحجر: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الحجر: 83 - 84] وقال الذي أوتي كتابه بشماله: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ} [الحاقة: 28] فنفى كل ذلك بـ (ما). في حين قال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25]. فنفى عدم الإغناء بـ (لم)؛ ذلك لأنه عدم إغناء موقوت بالمعركة،، ثم إن هؤلاء مسلمون وقد انتصر فيما بعد. فنفى عدم الإغناء الشديد البالغ بـ (ما)، والذي هو دونه نفاه بـ (لم). 2- قال: {آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ} ولم يقل: (اللاتي) وذلك للدلالة على الكثرة، فإن الوصف لغير العاقل بالمفرد يدل على الكثرة، فقولك: (أنها جارية) يدل على كثرة الأنهار، وهي أكثر من (أنهار جاريات). ونحوه (أشجار مثمرات) و(أشجار مثمرة). جاء في (روح المعاني): "قيل... إن (التي) في جمع غير عالم أكثر من (اللاتي)" (2). فهذه الآلهة على كثرتها لم تغن عنهم شيئًا. ثم إن هذه قيلت في أمم متعددة ولكل منها آلهة، فاختار (التي) لتدل على الكثرة في نحو هذا. 3- وقال: (يدعون) بالفعل المضارع وذلك "لحكاية الحال الماضية أو للدلالة على استمرار عبادتهم لها" (3). 4- وقال: {مِنْ شَيْءٍ} فجاء بـ (من) المؤكدة الدالة على الاستغراق، أي لم تغن أي شيء، على سبيل الاستغراق. وقوله: {مِنْ شَيْءٍ} يحتمل أن يكون المعنى نفي أي شيء من الإغناء أو أي شيء من الأشياء" (4). 5- قال: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} أي تخسير، فنفى بـ (ما) ولم ينف بـ (لم)، فلم يقل: (ولم يزيديهم) وذلك للتأكيد كما ذكرنا في نقطة سابقة. ألا ترى أنه قال في آية أخرى على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} [نوح: 5 - 6]. فنفى بـ (لم) فقال: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ} دون (ما)؛ وذلك لأن هذه الزيادة دون ما ذكره في سورة هود. فقد قال في سورة نوح إن دعاءه زادهم فرارًا. وما ذكره في سورة هود أن آلهتهم زادتهم هلاكًا وتخسيرًا. ولا شك أن الزيادة في هود كانت أشد وأفظع فنفى بـ (ما). 6- قال تعالى: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} والتتبيب هو التخسير، غير أنه لم يقل: (وما زادهم غير تخسير) كما قال في قصة سيدنا صالح، فقد قال على لسان سيدنا صالح: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 63]. وقال ههنا: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} ذلك أن التتبيب أشد من التخسير، فإنه تخسير وزيادة، ذلك أن معنى التتبيب: الهلاك والقطع والتخسير.فقد قيل: "إن مادة التباب تدور على التقطع وهو مؤد إلى الهلاك" (5). وذلك لأن المعصية التي ذكرت ههنا أكبر مما ورد على لسان نبي الله صالح، فإنها هنا في الكلام على الأمم التي كانت تعبد الآلهة من دون الله، وأما في قصة صالح فقد قال: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ}، فذكر عموم المعصية، وهي ولا شك دون ما ذكره في الأمم الهالكة من عبادة غير الله، فإن المعصية قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة.فما ذكره في الأمم السابقة في من أكبر المعاصي وأعظمها. ولا شك أن العقوبة على قدر المعصية.فناسب ذكر التتبيب معها دون ذكر التخسير، فكان كل تعبير في موضعه أنسب. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 335 إلى ص 338. (1) انظر (معاني النحو) 4/128 وما بعدها. (2) روح المعاني 12/138. (3) روح المعاني 12/139. (4) انظر روح المعاني 12/139. (5) روح المعاني 30/260، وانظر القاموس المحيط (تب). الوقفة كاملة
٤٥٦ {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] الركون هو الميل اليسير (1)، أي لا تميلوا إلى الذين ظلموا أدنى ميل (2). وقال: {إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ولم يقل: (إلى الظالمين) أي لا تميلوا إلى من وقع منهم ظلم وإن لم يكن الظلم وصفًا ثابتًا فيهم. وهذا نهي عظيم عن مداهنة الظالمين، فقد نهى عن الميل اليسير إلى من وجد منهم ظلم فكيف بمن اتصف به على جهة الثبوت، فكيف بتعظيمهم واتخاذهم أصحابًا وخلطاء، وكيف باتخاذهم أولياء ؟! جاء في (روح المعاني): "(الذين ظلموا) بمن وجد منه ما يسمى ظلمًا مطلقًا. قيل: ولإرادة ذلك لم يقل: إلى الظالمين" (3). {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} فلا تظنوا أن الظالمين سيكونون أولياء لكم، فإنهم ليسوا كذلك وما لكم من ولي من دون الله. وأنتم لا تنصرون ما دمتم تركنون إلى الذين ظلموا. وقال: {مِنْ أَوْلِيَاءَ} ولم يقل: (من ولي) لأنه ذكر الذين ظلموا وهم جمع فناسب أن يذكر الأولياء. وجاء بـ (من) الاستغراقية ليدل على أنهم ليس لهم ولي من دون الله على سبيل الاستغراق. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 357 إلى ص 358. (1) الكشاف 2/118. (2) روح المعاني 12/154. (3) روح المعاني 12/154، وانظر البحر المحيط 5/269. الوقفة كاملة
٤٥٧ بسم الله الرحمن الرحيم إن هذه السورة مرتبطة بخواتيم السورة التي قبلها وهي سورة (طه) من أكثر من وجه منها: 1- أنه قال في خواتيم سورة طه: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} وقال في أول سورة الأنبياء: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} وممل قيل في الأجل المسمى المذكور في آية طه أنه يوم القيامة (1) وهو موعد الحساب. 2- قال سبحانه في خواتيم سورة طه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)} أي أتتك آياتنا فأعرضت عنها. وقال سبحانه في أول سورة الأنبياء: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } فكلتا الآيتين في المعرضين عن آيات ربهم. 3- قال في أواخر سورة طه: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} وقال في أول سورة الأنبياء: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) } وقال فبها أيضًا: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ (5) } فأمره في طه أن يصبر على ما قالوه في الأنبياء. 4- وقال في أواخر طه: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)} وقال في أول الأنبياء: {فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)} فكلتا الآيتين في طلب آية. جاء في (البحر المحيط): "مناسبة هذه السورة لما قبلها أنه لما ذكر: {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا} [طه: 135] قال مشركو قريش: محمد يهددنا بالمعاد والجزاء على الأعمال، وليس يصح، وإن يصح ففيه بعد فأنزل الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 5 إلى ص 6. (1) انظر روح المعاني 16/280. (2) البحر المحيط 6/295 وانظر كتابنا (التناسب بين السورة في المفتتح والخواتيم) 116. الوقفة كاملة
٤٥٨ {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)} رد على قولهم: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} بهذه الآية، فذكر أن الرسل قبل سيدنا محمد كلهم بشر يوحى إليهم وليسوا ملائكة. وإن كنتم لا تعلمون ذلك فاسألوا أهل الذكر، أي أهل الكتاب حتى يعلموكم. جاء في (الكشاف): "أمرهم أن يستعلموا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا" (۱). وجاء في (البحر المحيط): "ولما تقدم من قولهم: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}، وأن الرسول لا يكون إلا من عند الله من جنس البشر قال تعالى رادًا عليهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا}، أي بشرًا، ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا. ثم أحالهم على أهل الذكر فإنهم وإن كانوا مشابهين للكفار ساعين في إخماد نور الله لا يقدرون على إنكار إرسال البشر. وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} من حيث إن قريشًا لم يكن لها كتاب سابق ولا أثارة من علم (۲). قد تقول: لقد قال في أكثر من موضع: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا} بذكر (من)، وفي آية الأنبياء هذه لم يذكر (من). فقد قال تعالى في سورة يوسف: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)} بذكر (من). وقال في النحل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} بذكر (من) أيضًا. فما الفرق؟ فنقول: إن السياق في كل موضع يوضح السبب: فقد ذكر كثير من النحاة أن (من) في نحو هذا التعبير تدل على ابتداء الغاية، وذهب قسم آخر إلى أنها تفيد التوكيد (3). ومقتضى ابتداء الغاية على ما ذكر بعضهم في نحو هذا التعبير أنه يفيد استغراق الزمن المتقدم ابتداء من ابتداء الغاية إلى ما قبله، وأن (من) تفيد توكيد ما دخلت عليه (4). ثم إن السياق في آيتي يوسف والنحل يختلف عنه في آية الأنبياء، فما كان في يوسف والنحل إنما هو في سياق العقائد. فقد قال في سياق آية يوسف: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} فذكر كثرة الآيات التي يمرون عليها في السماوات والأرض وهم معرضون عنها. وهذه أعم وأكثر بكثير من كون (الرسل بشرًا)، فهذه مسألة واحدة وتلك آيات كثيرة. ثم ذكر معتقداتهم في الإيمان بالله مع شركهم به. ثم قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)}. فقد حذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل القرى الذين يمرون عليهم من العقوبة ويستمر في الكلام في نحو هذا. كل هذا ليس متعلقًا بكون الرسل بشرًا أو ملائكة. فالأمر أكد وأعم وأشمل، فجاء بـ (من) التي قد تفيد التوكيد والعموم. وكذلك السياق في سورة النحل فإنه في العقائد والبينات والزبر وتحذير المعاندين بالعقوبات. فقد قال في سياق آية النحل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)}. فذكر استغراق بعث الرسل للأمم كلها ودعوتهم إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت، وليس الكلام على كون الرسل بشرًا أو ملائكة، إلى أن قال {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44}. وطلب منهم استعلام أهل الكتاب عن البينات والزبر، وإنه أنزل الذكر إليه ليبين للناس ما نزل إليهم. وليس له علاقة بكون الرسل بشرًا أو ملائكة. فهو أعم وأشمل من ذلك. وحذر الذين يمكرون السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يعذبهم. وهو نظير ما مر في سورة يوسف. فجاء بـ (من) الدالة على العموم والتوكيد والشمول. وأما آية الأنبياء فهي في أمر واحد وهو ما يتعلق بإثبات بشرية الرسل، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)}. فما في يوسف والنحل أعم وأشمل. ونظير آية الأنبياء هذه ما جاء في سورة الفرقان وذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20)}. فلم يذكر (من) في الموضعين لتشابههما. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ليست كل الأمم ينكرون بشرية الرسل، فإن أهل الكتاب لا ينكرون ذلك، ولذلك أحالهم على أهل الذكر للاستفسار، بخلاف الإيمان بما جاءت به الرسل، فإن عموم التكذيب إنما هو في ذلك. فما في آيتي يوسف والنحل أعم من هذه الناحية أيضًا. فإن المكذبين بما جاءت به الرسل أكثر من المكذبين بكون الرسل بشرًا. فما جاء بـ (من) أكثر. فناسب ذكر (من) من هذه الناحية أيضًا. ثم إن آية الأنبياء مناسبة لما قبلها وهو قوله: {مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا (6)}. فكلتا الآيتين من دون (من). فناسب ذلك من هذه الناحية أيضًا. ثم لننظر في الآيات من ناحية أخرى: فقد قال في آية يوسف: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى}. فذكر (أهل القرى) ذلك أنه قال في الآية: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وهم يمرون على القرى في سيرهم في الأرض، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} [الفرقان: 40] فناسب ذكر القوى. وقال في آية النحل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} ذلك أنه قال بعد ذلك: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} فالتناسب ظاهر. جاء في (درة التنزيل): قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109]. وقال في سورة النحل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} وقال في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) } للسائل أن يسأل فيقول: هل بين قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} فرق؟ ولأي معنى خص موضع بحذف (من) وموضع بإثباتها؟ الجواب: أن يقال: إن (من) لابتداء الغاية. و(قبلك) اسم للزمان الذي تقدم زمانك. فإذا قال: (وما أرسلنا من قبلك) فكأنه قال: وما أرسلنا من ابتداء الزمان الذي تقدم زمانك، فيخص الزمان الذي يقع عليه قبل تحديه. ويستوعب بذكر طرفيه ابتداءه وانتهاءه. وإذا قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} فمعناه: ما فعلنا في الزمان الذي تقدم زمانك... فأما قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فإنما لم يؤكد بـ (من) لأن المعتمد بالخبر إنما هو الحال التي للمرسلين، وهي أنهم يأكلون الطعام وليسوا من الملائكة الذين طلب الكفار أن يبعثوا إليهم وأخبر الله تعالى به عنهم في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} (5). وجاء في (ملاك التأويل) في هذه الآيات التي ذكرها صاحب الدرة: "أن آية يوسف قد تقدمها قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)}، وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} وقوة السياق في هذه الآية يدل على القسم ويعطيه، فناسب ذلك زيادة (من) المقتضية الاستغراق. وكذلك قوله في سورة النحل: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ} [النحل: 41] يؤكد ذلك المعنى. فناسبه زيادة (من) لاستغراق ما تقدم من الزمان. أما قوله تعالى في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} فتقدم قبلها إنكار الكفار كون الرسل من البشر في قوله: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ }واقتراحهم الآيات في قولهم: {فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}، فلما انطوى هذا الكلام على قضيتين من اقتراحهم الآيات وإنكارهم كون الرسل من البشر، وقد تبين لهم حال المقترحين في قوله تعالى: {مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَ} فلما تقدم هذا أتبع ببيان الطرف الآخر وهو التعريف بأن من تقدم من الرسل إنما كانوا رجالاً من البشر مختصين بتخصيصه سبحانه ولم يكونوا ملائكة، فقيل لنبينا محمد : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ}. فقيل هنا (قبلك) كما قيل في نظيرتها {}فلم تدخل هنا (من) كما لم تدخل في النظير الآخر لإحراز التناسب والتحام الجملة المنطوية على طرفي مقصدهم من الاقتراح وإنكار كون الرسل من البشر. (6). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 27 إلى ص 33. (1) الكشاف 2/322. (2) البحر المحيط 6/298 وأنظر روح المعاني 17/12. (3) انظر لسان العرب (من)، المغني 1/325 – 326، التصريح 1/342. (4) انظر ملاك التأويل 1/678، درة التنزيل 241. (5) درة التنزيل وغرة التأويل 240 – 242. (6) ملاك التأويل 2/540 – 541. الوقفة كاملة
٤٥٩ {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)} نزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الولد، ذلك أن من الكفار من قال: (ولد الله) كما ذكر ذلك عنهم في سورة الصافات فقال: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152)}. ومنهم من قال: إن الملائكة بنات الله، فرد عليهم سبحانه بقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)} [النجم: ۲۱ - ۲۲]. وقال: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا} [الإسراء: 40]. وقال في آية الأنبياء هذه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} وقد قيل: إن هذه الآية "نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله. نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة" (1). وقيل: إن بعض العرب من غير خزاعة قالوا ذلك أيضًا (2). فذكر أن الملائكة هم عباد الله. ثم وصف هؤلاء العباد بأنهم مكرمون مصطفون؛ لأن من العباد من ليس بمكرم كما ذكر سبحانه عن قسم من عباده الضالين فقال: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: ١٧]. ثم ذكر أن هؤلاء العباد المكرمين لا ينطقون بشيء قبله سبحانه، فهم لا يتقدمونه بقول. وإنه سبحانه إذا أمر بشيء فإنهم يعملون بأمره. وقدم الجار والمجرور فقال: {بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} للدلالة على أنهم لا يعملون بأمر غيره وإنما يعملون بأمره خاصة. جاء في (نظم الدرر): "(وهم بأمره) أي خاصة إذا أمرهم (يعملون) لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية الطاعة" (3). وجاء في (تفسير أبي السعود) في قوله تعالى: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}، "بيان لتبعيتهم له تعالى في الأعمال إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال. فإن نفي سبقهم له تعالى بالقول عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه. وكأنه قيل هم بأمره يقولون وبأمره يعملون لا بغير أمره أصلاً. فالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور معتبر بالنسبة إلى غير أمره لا إلى أمر غيره" (4). ولئلا يظن أنهم قد يتركون شيئا من أمره ذكر أنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، أي ما تقدم من أفعالهم وأقوالهم وما تأخر، وما عملوا وما لم يعملوا بعد (5). ثم ذكر أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، فهم لا يسبقونه بقول ولا يشفعون إلا لمن علموا أن الله يرتضي ذلك. ثم ذكر أنهم في خوف منه ومراقبة له سبحانه لا يأمنون مكره. وقال: (مشفقون) ولم يقل: (يشفقون) ليدل على أن ذلك وصفهم الدائم الثابت. ومع هذا الثناء عليهم فذلك لا يمنع من أن يعذبهم إذا تجاوزوا الحد فقال: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}. وهذا لا يخصهم وحدهم بل يشمل كل ظالم فقال: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}. وقد مر قبل هذه الآية ذكر لعقوبات الظالمين من نحو قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً}. وقوله: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)}. جاء في (الكشاف): "(لا يسبقونه)... والمعنى أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله... أي لا يتقدمون قوله بقولهم... وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضًا كذلك مبني على أمره، لا يعملون عملا ما لم يؤمروا به... ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب العظيم. ثم إنهم مع هذا كله من خشية الله (مشفقون) أي متوقعون من أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله... وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده وأثنى عليهم... فاجأ بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل" (6). وجاء في (تفسير أبي السعود): "(مشفقون) مرتعدون. وأصل الخشية الخوف مع التعظيم ولذلك خص بها العلماء. والإشفاق الخوف مع الاعتناء. فعند تعديته بـ (من) يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بـ (على) ينعكس الأمر" (7). وجاء في (روح المعاني): {مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} وفرق بين الخشية والإشفاق بأن الأول خوف مشوب بتعظيم ومهابة ولذلك خص به العلماء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (8). وفي (التحرير والتنوير): "الإشفاق توقع المكروه والحذر منه" (9). لقد جاء نحو هذا التعبير في عدة مواضع من القرآن الكريم، غير أنه لم يكن التعقيب واحدًا، بل ذكر في كل موضع نوعًا من التعقيب والتبيين يختلف عما ذكر في المواضع الأخرى. وأول موضع ورد فيه نحو هذا التعبير ما جاء في سورة البقرة وهو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)}. فرد عليهم بأن له ما في السماوات والأرض وأنهم كلهم خاضعون له، وأنه أبدع السماوات والأرض وأوجدهما وأنه على كل شيء قدير، فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فلا يحتاج إلى الولد، فهو الغني المستغني المقتدر فلماذا يتخذ ولدا؟ فرد عليهم بغناه وقدرته، غير أنه لم يذكر فظاعة هذه الكلمة ولا ماذا ستكون عاقبة الذين يقولون بهذا القول. ثم ورد نحو هذا التعبير في سورة يونس فقال: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)... قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)} فذكر قبل الآية أن له من في السماوات ومن في الأرض فلماذا يتخذ الولد؟ ثم ذكر أنه الغني، ولم يقل: (إنه غني) بل ذكر أنه الغني ولا غني غيره، فإن له ما في السماوات وما في الأرض، فكرر (ما). ففي آية البقرة لما لم يذكر أنه الغني لم يكرر (ما)، وإنما قال: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. ولما قال في آية يونس: {هُوَ الْغَنِيُّ} كرر (ما) فقال: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} للتوكيد والتوسع في ذكر الغنى. ثم رد على القائلين بهذا القول بأنهم ليس عندهم سلطان بهذا وأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون. وألمح إلى أن هذا من الافتراء على الله، وأنه سيعاقب الكافرين، وهذه إشارة إلى أن القول بهذا إنما هو كفر. ولم يرد مثل ذلك في البقرة. وهي مرحلة بعد الذكر الأول. ثم ذكر القائلين بهذا في سورة الكهف وأنه ينذرهم فليحذروا فقال: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)}. فإنه بعد أن ذكر القائلين في موضعين ناسب أن ينذرهم بعد ذلك فقال: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} فتدرج في القول فلم يذكر في يونس أنه سيعذب القائلين بهذا بصورة مباشرة، وإنما قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}. فذكر عموم الافتراء على الله، وليس ذلك خاصًا بهذا القول. وأما في آية الكهف فإنه أنذر الذين يقولون هذا القول بصورة مباشرة، وأنه نفى العلم عنهم وعن آبائهم، ثم عظم هذه المقالة وأنها كبيرة فقال: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}. وصرح بأن هؤلاء لم يقولوا إلا الكذب. ولم يذكر غناه فاكتفى بما مر من ذلك، وإنما ذكر أمرًا آخر وهو الإنذار المباشر وعظم هذه المقالة وكذبها. ثم قال في سورة مريم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}. فإنه قبل هذا الموطن ذكر كذب هذا القول وأن هذه الكلمة كبيرة، أما ههنا فقد فصل في هذا القول وذكر أنه عظيم ثقيل تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق رض وتخر الجبال هدًّا. ولم يذكر نحو هذا فيما سبق، وإنما ألمح إلى أنه كذب، ثم صرح بأنه كذب، وذكر قبل هذه السورة أن هذه الكلمة كبرت تخرج من أفواههم. أما ههنا فأنت تلاحظ أنه عظم هذه المقالة في السماوات والأرض والجبال وفظعها، وأن كل من في السماوات والأرض إن هم إلا عبيد له. ومن الملاحظ في هذه الآية أنه ذكر اسمه (الرحمن) ولم يذكر لفظ الجلالة (الله) كما في الآيات السابقة. ولعل ذلك لأنه لم يذكر تهديدًا لمن قال هذا القول. ثم إن سورة مريم تردد فيها اسم الرحمن كثيرًا، وهي أكثر سورة تردد فيها هذا الاسم الجليل. فناسب ذلك من جهة أخرى. ثم ذكر في سورة الأنبياء نحو ذلك فقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)} فذكر صفة هؤلاء الذين قالوا فيهم إنهم اتخذهم الرحمن ولدًّا فذكر أنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون كما ذكرنا. ولم يعد ما ذكره في المواطن السابقة، بل ذكر شيئا آخر وهو صفة الملائكة هؤلاء. وهو أمر لم يذكره في المواطن الأخرى. وقد ذكر ههنا اسمه (الرحمن) كما في آية مريم، ولعل سبب ذلك أنه لم يذكر تهديدًا لمن قال هذا القول، وهو المناسب لاسمه الرحمن. ومن الملاحظ في هذه الآيات أنه إذا ذكر اسمه (الله) فهو إما يذكر غناه أو يذكر إنذارًا لمن قال هذا القول أو يذكرهما معًا. ففي سياق آية البقرة قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)}. وقال: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}وأنه بديع السماوات والأرض. ثم إنه لم يرد في سورة البقرة اسمه (الرحمن) إلا في موضع واحد وهو قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}. بخلاف اسم (الله) الذي تردد فيها كثيرًا كثيرًا. وفي آية يونس ذكر عناه وأشار إلى التهديد والإنذار فقال: {هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}. ثم ذكر عاقبة هؤلاء الكفرة فقال: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}. وأنذر في آية الكهف من قال بهذا القول فقال: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}. ولم يذكر تهديدًا أو غنى مع اسمه (الرحمن) في آيتي مريم والأنبياء. فلم يكرر ما ورد من هذا الأمر وإنما ذكر في كل موطن أمرًا يتناسب مع المقام والسياق والتدرج في شأن المقالة والقائلين. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 68 إلى ص 76. (1) الكشاف 2/326 وانظر البحر المحيط 6/307. (2) انظر روح المعاني 17/32. (3) نظم الدرر 12/408 – 409. (4) تفسير أبي السعود 3/697 (5) انظر البجر المحيط 6/307. (6) الكشاف 2/326. (7) تفسير أبي السعود 3/697. (8) روح المعاني 17/33. (9) التحرير والتنوير 17/52. الوقفة كاملة
٤٦٠ {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} أي ألم يتفكروا أولم يعلموا أن السماوات والأرض كانتا مرتوقتين أي لاصقة إحداهما بالأخرى ففصلنا الأرض عن السماوات؟ وقال: (رتقًا) دون (مرتوقتين) لأن (رتقًا) مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد وغيره كما يقال: رجل عدل ورجال عدل. ورجل صوم وامرأة صوم ورجال صوم. وأخبر عنهما للمبالغة. والرؤية قلبية، أي: ألم يعلموا (1)؟ قد تقول: لعلهم لم يكونوا يعلمون ذلك. فنقول: إن ذلك يقال لمن يعلم أو لإعلام من لم يكن يعلم. كما تقول لصاحبك: (ألم تعلم أن فلانًا حصل على جائزة؟) وهو لا يعلم ذاك وإنما أردت إخباره، وهذا جار كثير في اللغة. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18]. وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41]. وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48]. وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258]. وهو إنما يخبره بذلك. ونحو هذا كثير في القرآن الكريم. {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} أي "صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه" (2)، فالماء هو سبب الحياة. فبدأ بذكر الحالة الأولى لوجود الكون وهي أن السماوات والأرض كانتا ملتحمتين لاصقة إحداهما بالأخرى ففصلهما. ثم ذكر أصل الحياة وما يسبق الحياة، ثم جعل الأشياء حية بسبب الماء. فذكر حالتين متناظرتين: ما يسبق هذا الكون المشاهد. وما يسبق وجود الأحياء. وهو تناظر جميل. ولما ذكر في أول الآية الذين كفروا فقال: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا}ختمها بدعوتهم إلى الإيمان فقال: {أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}. وجاء بالفاء الدالة على السبب في قوله: {أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } أي ألا يكون ذلك سببا لإيمانهم؟! ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 76 إلى ص 78. (1) أنظر الكشاف 2/326 – 327، روح المعاني 17/34. (2) الكشاف 2/327. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 451 إلى 460 من إجمالي 1052 نتيجة.