| ٣٨٠١ |
{وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} [هود: 64]
وهذا هو الأمر الثاني الذي ذكره لهم وهو الأمر القائم على الحجة الملزمة، وهي الآية الدالة على صدقه وهي الناقة التي أخرجها الله من الصخرة كما طلبوا، وقد كانوا تعهدوا لنبيهم أنه إن فعل ذلك آمنوا له وصدقوه.
وسماها ناقة الله لأنها لا تعود لأحد وإنما هي الله كما ذكرنا.
وقدم (لكم) على (آية) للاختصاص، وذلك أن هذه الآية خاصة بهم دون غيرهم أرسلت إليهم هم كما طلبوا. فالآية لهم هم، فهم الذين طلبوها، وهم الذين شاهدوها وتعاملوا معها.
وطلب منهم أن يتركوا ناقة الله تأكل في أرض الله لا في أرضهم ولا من زرعهم، فالناقة ناقة الله والأرض أرضه.
وهذا غاية الإنصاف والعدل، فلماذا يمسُّونها بسوء إلا إذا كانوا معتدين عليها ظالمين لها؟
{وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ}
"نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالشر الشامل لأنواع الأذى مبالغة في الزجر فهو كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} ... أي لا بشيء مما يسوؤها أصلًا كالطرد والعقر وغير ذلك" (1).
ونكّر السوء ليشمل أي سوء مهما كان ضئيلًا.
{فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ}
وصف العذاب ههنا بأنه قريب، وقال في الأعراف: {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فوصفه بأنه أليم، ذلك أنه قال لهم ههنا: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} وهذا وعد قريب، فناسب ذكر القرب.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه في الأعراف كان أول التبليغ لقومه، فهو أول موضع ترد فيه هذه القصة في القرآن الكريم فلا يناسب ذكر التعجيل بالعقوبة.
في حين كان الكلام في هود بعد ذلك وقد بلغهم ونصح لهم فناسب ذكر قرب العذاب في هود.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 258 إلى ص 259.
(1) روح المعاني 8/163.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٢ |
{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65]
أي فذبحوها، والعقر قطع عضو، ويستعمل في النحر أيضًا.
وقال: (فعقروها) ولم يقل: (فنحروها) لئلا يظن أنهم استحقوا العذاب بسبب نحرها وأنهم لو لم ينحروها لم يعذبهم، وإنما استحقوا العذاب بعقرها وإن لم يذبحوها، ذلك أنه حذرهم فقال لهم: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} فيأخذهم العذاب. فأي مس بالسوء مهما كان فهو مدعاة إلى العقوبة.
وقال: (فعقروها) فأسند العقر إليهم كلهم وإن كان العاقر واحدًا كما أخبر ربنا بقوله: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} [القمر: 29] وذلك لأنهم تمالؤا على ذلك بدلالة قوله: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ} فأسند العقر إليهم فاستحقوا العذاب أجمعون.
{ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ }
أي غير مكذوب فيه، أو (وعد غير كذب) لأن المكذوب قد يكون مصدرًا بمعنى الكذب.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 260 إلى ص 260.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٣ |
{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66]
قال ههنا: {نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا}.
فذكر أنه نجاهم برحمة منه ولم يقل مثل ذلك في موضعين آخرين، فقد قال في سورة النمل: {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل: 53]، وقال في فصلت: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [فصلت: 18] ولم يقل: (برحمة منا).
وذلك - والله أعلم - أنه ذكر صفتين في سورتي النمل وفصلت وهما: الإيمان والتقوى فقد قال فيهما: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
ولم يذكر في سورة هود غير صفة واحدة وهي الإيمان، فاتسعت رحمته لتشمل من كان مؤمنًا وإن لم يكن متقيًا، فناسب ذكر الرحمة في هذا الموضع، وإن كانت النجاة برحمته سبحانه وليست بشيء آخر.
{وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ}
أي نجيناهم من العذاب ومن الخزي، فقد عطف قوله: {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} على (نجينا)، والتقدير: "ونجيناهم من خزي يومئذ" (۱).
فدل ذلك أنه أصاب الذين ظلموا العذاب والخزي، ونجى الله الذين آمنوا منهما.
وقد ذكرنا الفرق بين (نجينا) و(أنجينا) في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) (۲) فلا نكرر القول فيه.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}
"ناسب مجيء الأمر وصفه تعالى بالقوي العزيز، فإنهما من صفات الغلبة والقهر والانتقام" (۳).
وقال: {إِنَّ رَبَّكَ} بإضافة الرب إلى ضمير المخاطب وهو رسول الله محمد تحذيرًا لقريش من مغبة موقفهم من رسول الله، فإن ربك يفعل بهم ما فعل بالأقوام البائدة الذين أهلكهم الله كما قال محذرًا لهم: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13].
وعرف الخبر وجاء بضمير الفصل فقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} ولم يقل: (إن ربك قوي عزيز) ليدل على أنه لا قوي غيره على الحقيقة، ولا عزيز غيره على الحقيقة، بل هو وحده القوي العزيز.
قد تقول: لقد قال ههنا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}
وقال في الشورى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: 19].
فأكد في آية هود قوته وعزته بـ (إنّ) ولم يؤكد ذلك في الشورى. فلم ذاك؟
والجواب: أنه أكد في آية هود لأن المقام مقام عقوبة وإنجاء صالح ومن آمن معه وذلك يستدعي تأكيد القوة والعزة.
وأما السياق في الشورى فإنه في لطفه بعباده فلا يستدعي ذلك تأكيدهما.
وقدم القوي على العزيز لأنه قوي فعز، فإن العزة إنما تكون من القوة، ولذلك حيث اجتمع هذان الوصفان في القرآن الكريم قدم القوي على العزيز، وذلك نحو قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40، 74]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25، المجادلة: 21].
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 260 إلى ص 262.
(1) الكشاف 2/105.
(2) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني ص 76 وما بعدها.
(3) البحر المحيط 5/240.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٤ |
{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 67 - 68]
ذكرنا في كتابنا (أسئلة بيانية) قوله: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} وقوله: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 94] بالتذكير والتأنيث فلا نعيد القول فيهما.
وذكرنا في القصة إفراد الديار مع الرجفة وجمعهما مع الصيحة.
{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}
أي كأنهم لم يكونوا فيها ولم يقيموا فيها مستغنين بها عن غيرها.
جاء في (المفردات في غريب القرآن) للراغب الأصفهاني: "غني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيًا به عن غيره بغنى، قال: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}" (1).
أما بقية التعبير فقد ورد نحوه في قصة هود.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 262 إلى ص 263.
(1) المفردات للراغب الأصفهاني (غني).
قصة إبراهيم
من سورة هود
{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود} [هود: 69 – 76]
من سورة الحجر
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} [الحجر: 51 - 58]
من سورة الذاريات
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} [الذاريات: 24 – 32]
من سورة العنكبوت
{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 31 – 32]
ورد هذا الجانب من قصة إبراهيم في ثلاث سور هن هود والحجر والذاريات، كما وردت لها إشارة يسيرة في سورة العنكبوت في أثناء قصة لوط.
وهي في كل ما ورد منها مدخل إلى قصة لوط.
ولوط آمن لإبراهيم وهاجر إلى ربه كما قال تعالى: {فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26].
وهو ابن أخيه، فلا غرو أن يذكر جانبًا من قصة إبراهيم مدخلاً إلى قصة لوط.
وما يذكر من هذه القصة فيه تبسط في بعض المواضع، وفي بعضها إيجاز، وذكر جانب منها وطي جانب آخر بحسب السياق الذي ترد فيه.
وقد ذكرنا في كتابنا (لمسات بيانية) هذا الجانب من القصة من سورتي الحجر والذاريات، وبيان شيء من اللمسات البيانية فيهما فلا نكرر القول ذلك.
في لقد ذكر في هذا الموضع من القصة أمورًا لم تذكر في مواضع أخرى، وهو نحو ما ذكرنا في القصص السابقة، فإنه لم يكرر القصة وإنما يذكر في كل موضع جانبًا لم يذكر في موضع آخر.
1- فقد ذكر ههنا وفي العنكبوت أنه جاءته رسل ربه. فقد قال ههنا: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}، وفي العنكبوت: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} [العنكبوت: 31].
وأما في سورتي الحجر والذاريات فقد ذكر أنهم ضيفه. فقد قال في الحجر: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} [الحجر: 51]، وقال في الذاريات: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} [الذاريات: 24].
۲- ذكر تحيتهم ورد التحية عليهم في هود والذاريات.
وذكر في الحجر تحيتهم ولم يذكر رد التحية عليهم.
وأما في العنكبوت فلم يذكر تحية ولا رد تحية، وإنما هو دخول مباشر إلى قصة لوط بعد المجيء بالبشرى.
3- ذكر تقديم الطعام لضيفه في هود والذاريات، ولم يذكر ذلك في الحجر.
4- ذكر في الذاريات أنه دعاهم إلى الأكل قائلاً: {أَلَا تَأْكُلُونَ}، ولم يذكر ذلك في هود، غير أنه لما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام نكرهم وأحس منهم خيفة.
5- ذكر في هود أن امرأته كانت قائمة وأنها ضحكت بعد ذكر الرسل أنهم أرسلوا إلى قوم لوط.
ولم يذكر ذلك في أي موضع آخر.
6- ذكر في هود أنهم بشروها بالولد، في حين أن البشارة كانت لإبراهيم في الحجر والذاريات.
7- في هود بشروها بولد وبولد الولد، في حين كانت البشرى في الحجر والذاريات بالولد ولم يذكر ولد الولد.
۸- ذكرت البشارة اسمي الولد وولد الولد في هود، ولم يذكر ذلك في الحجر ولا في الذاريات، وإنما ذكر البشرى بغلام عليم. ففي هود ذكر اسم العلم، وفي الحجر والذاريات ذكر صفته.
9- ذكر في هود عجب امرأة سيدنا إبراهيم ومحاورتها للملائكة وأنها تبسطت في ذكر العجب.
ولم يذكر في الحجر ذلك. وأما في الذاريات فلم تزد على أن صكت وجها وقالت: {عَجُوزٌ عَقِيمٌ}.
10- ذكر في الحجر محاورة إبراهيم للملائكة في هذه البشرى وكيف أنهم بشروه بعد أن مسه الكبر.
ولم يرد ذلك في موضع آخر.
ففي هود والذاريات كان الكلام فيما يتعلق بالبشرى بين زوجه والملائكة، وفي الحجر كان الكلام بينه وبين الملائكة.
۱۱- ذكر تبسط الملائكة في الكلام مع زوج إبراهيم في هود فيما يتعلق بعجبها.
ولم يرد مثل ذلك في الذاريات، وإنما قالوا لها: {كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}.
12- سألهم إبراهيم عن الغرض من مجيئهم في الحجر والذاريات قائلًا: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} [الحجر: 57، الذاريات: 31]. فبينوا له سبب ذلك.
في حين ذكروا ذلك ابتداء في هود من غير أن يسألهم، وكذلك في العنكبوت.
فالقصة كما ترى ليست متطابقة.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٥ |
جانب من التفسير البياني
{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]
لقد غير الأسلوب الذي اتبعه في قصص الأنبياء الآخرين في هذه السورة كقصة نوح وهود وصالح وغيرهم، فقد قال في ابتداء تلك القصص: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}.
في حين قال ههنا: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}.
ذلك أن الغرض والهدف مختلف عن تلك القصص، فإن قصص بقية الرسل إنما هي في إرسالهم إلى أقوامهم وتبليغهم دعوة ربهم وإنذارهم وذكر عاقبتهم، وليس الأمر كذلك في قصة إبراهيم هذه، وإنما الغرض إنما هو ذكر المجيء بالبشرى وأن تكون القصة مدخلاً إلى قصة لوط. فهي محطة في الطريق إلى قوم لوط.
جاء في (روح المعاني): {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ}: وإنما أسند إليهم المجيء دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط لقوله تعالى: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وإنما جاؤوه لداعية البشري.
قيل: ولما كان المقصود في السورة الكريمة ذكر صنيع الأمم السالفة مع الرسل المرسلة إليهم، ولحوق العذاب بهم، ولم يكن جميع قوم إبراهيم عليه السلام من لحق بهم العذاب، بل إنما لحق بقوم لوط منهم خاصة غير الأسلوب المطرد فيما سبق من قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ثم رجع إليه حيث قيل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "تقدم أن ترتيب قصص هذه السورة كترتيب قصص الأعراف، وإنما أدرج شيئًا من أخبار إبراهيم عليه السلام قصة صالح ولوط لأن له مدخلًا في قصة لوط، وكان إبراهيم ابن خالة لوط، والرسل هنا الملائكة بشرت إبراهيم بثلاث بشائر: بالولد وبالخلة وبإنجاء لوط ومن آمن معه" (2).
وقوله: (بالبشرى) قيل: هي البشرى بالولد (3)، وقيل: بأمور أخرى منها ما ذكره صاحب البحر المحيط.
{قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} ذكرنا هذا التعبير في أكثر من موضع، وقد قلنا: إن تحية الملائكة كانت بالجملة الفعلية، أي نسلم سلامًا، بدليل نصب السلام، وإن تحية إبراهيم بالجملة الاسمية بدليل رفع السلام، أي سلام عليكم. والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الفعلية، فهو رد التحية بخير منها.
{فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}
{فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} أي فما أبطأ في المجيء أو عن المجيء، والفاعل ضمير مستتر يعود على إبراهيم، والمصدر المؤول منصوب بنزع الخافض وهو على تقدير (في) أو (عن).
ويحتمل أن يكون المصدر المؤول فاعلاً، أي فما تأخر مجيئه (4).
جاء في (الكشاف): {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه" (5).
ولم يذكر حرف الجر، فلم يقل: (فما لبث في أن جاء) أو (عن أن جاء) وذلك ليتسع المعنى ويشمل أكثر من دلالة.
فالتعبير يحتمل عدة معان كلها مرادة والله أعلم. فهو يحتمل أن يكون المعنى: فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ مجيئه.
ويحتمل أن يكون ما أبطأ إبراهيم في المجيء، ولا أبطأ عن المجيء.
{بِعِجْلٍ حَنِيذٍ }العجل: ولد البقرة.
والحنيذ: السمين المشوي الذي يقطر دسمه.
والحنيذ هو المشوي بالرضف وهي الحجارة في أخدود (6).
جاء في (البحر المحيط): "حنذت الشاة أحنذها حنذًا: شويتها، وجعلت فوقها حجارة لتنضجها فهي حنيذ" (7).
وجاء في (لسان العرب): "الحنيذ من الشواء الحار الذي يقطر ماؤه وقد شوي" (8).
والمعنى أنه جاء بعجل مشوي حار سمين يقطر ودكه.
ففي الحنيذ ثلاث صفات:
1- أنه سمين.
٢- ومشوي.
3- وحار يسيل دسمه ويقطر ماؤه، وهذا غاية الإكرام، فإنه عجل في تقديم أحسن الطعام لضيفه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 265 إلى ص 274.
(1) روح المعاني 12/93.
(2) البحر المحيط 5/241.
(3) انظر الكشاف 2/105.
(4) انظر روح المعاني 12/94.
(5) الكشاف 2/106.
(6) انظر الكشاف 2/106، روح المعاني 12/94.
(7) البحر المحيط 5/236.
(8) لسان العرب (حنذ).
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٦ |
{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70]
أي فلما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام، أي لا يأكلون نكرهم. وقال: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} فعدى الرؤية إلى الأيدي، ولم يقل (فلما رآهم لا يمدون أيديهم) وذلك إشارة إلى أدب الضيافة، فإنه لا يحسن بالمضيف أن يحدد النظر إلى الضيوف، فإن ذلك يمنعهم من مواصلة الأكل بحسب حاجتهم ورغبتهم، وإنما يسارقهم النظر فينظر أيأكلون أم لا. وإبراهيم عليه السلام نظر إلى أيديهم ليرى أنهم يأكلون أم لا.
جاء في (روح المعاني): {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} كناية عن أنهم لا يمدون إليه أيديهم، ويلزمه أنهم لا يأكلون ... ففيه دليل على أن من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أو لا، لكن ذكروا أنه ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر، لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصرًا في الأكل، أي لما شاهد منهم ذلك نكرهم" (1).
فلما رآهم لا يأكلون نكرهم، أي استوحش منهم وداخلته الريبة في أمرهم.
{وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}
أي استشعر الخوف منهم وأحس به، ذلك أنه إذا "كان عادتهم أن إذا مس من يطرقهم طعامه أمنوه وإلا خافوه" (2).
و(الخيفة) الخوف، وهي من أسماء الهيئة، والمعنى أنه شعر بحالة من الخوف.
جاء في (مفردات الراغب): "الخيفة الحالة التي عليها الإنسان من الخوف. قال تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}" (3).
وجاء في (روح المعاني): "(خيفة) أي خوفًا، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف. ولعل اختيارها بالذكر للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس يكونون، كما ينبئ عنه في الذاريات من قوله سبحانه حكاية عنه: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} أنهم ملائكة" (4).
ويبدو أن هذه الحالة من الخوف ظهرت عليه فأمنوه بقولهم (لا تخف). وأخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط.
جاء في (الكشاف): "(فأوجس) فأضمر. وإنما قالوا: لا تخف؛ لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه، أو عرفوه بتعريف الله" (5).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 274 إلى ص 275.
(1) روح المعاني 12/94 – 95.
(2) الكشاف 2/106، وانظر البحر المحيط 5/242.
(3) المفردات (خوف).
(4) روح المعاني 12/95.
(5) الكشاف 2/106.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٧ |
{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: ۷۱]
لما سمعت بتأمين زوجها وأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ضحكت سرورا بهذا الخبر، فبشروها زيادة في إدخال السرور عليها بالولد وبولد الولد.
وأسند البشارة إليه سبحانه فقال: {فَبَشَّرْنَاهَا} زيادة في إكرامها.
جاء في (البحر المحيط): "فبشرناها على لسان رسلنا ... قال ابن عطية: أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم الله تعالى، إذ كان ذلك بأمره ووحيه" (1).
ولما أسند البشارة إليه سبحانه فقال: (فبشرناها) عظمت البشارة فشملت الولد وولد الولد، وأنها تعيش حتى ترى ولد ولدها.
جاء في (روح المعاني): "كأنهم بشروها بأن تعيش حتى ترى ولد ولدها، أو بأن يولد لولدها ولد" (2).
وجاء في (البحر المحيط): "وبشرت من بين أولاد إسحاق بيعقوب؛ لأنها رأته ولم تر غيره" (3).
في حين لما أسند البشارة إلى الملائكة اختصت بذكر الغلام وذلك في الحجر والذاريات. فقال في الحجر: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وقال في الذاريات: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] وكانت البشري بعد التأمين من الخوف في جميع المواضع لتتم الفرحة وتنبسط النفس بها، وإلا فالخائف يطلب الأمن أولًا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 276 إلى ص 277.
(1) البحر المحيط 5/243.
(2) روح المعاني 12/99.
(3) البحر المحيط 5/243.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٨ |
{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72]
أدركها العجب الشديد حين بشرت بالولد وولد الولد وهي عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير فقالت: {وَيْلَتَى أَأَلِدُ}
و(يا ويلتا) "يستعمل في كل أمر فظيع، والمراد هنا التعجب. وقد كثرت هذه الكلمة على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يتعجبن منه ... وقيل: إن الألف بدل من ياء المتكلم ... وقيل: إنها ألف الندبة ولذا يلحقونها بالهاء فيقولون: يا ويلتاه" (1).
{وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} بعلي أي زوجي "وأصل البعل القائم بالأمر فأطلق على الزوج لأنه يقوم بأمر الزوجة" (2).
{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} فأكدت عجبها بإن واللام زيادة في عجبها. وقد ذكرنا في كتابنا (التعبير القرآني) هذا التعبير وقوله سبحانه: {هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2]، وقوله: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [ص: 5] وسبب الاختلاف في التعبير فلا نكرر القول فيه (۳).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 277 إلى ص 277.
(1) روح المعاني 12/99، وانظر البحر المحيط 5/244.
(2) روح المعاني 12/100.
(3) انظر كتابنا (التعبير القرآني) 44 وما بعدها – باب (البنية في التعبير القرآني).
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠٩ |
{قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73]
قالوا منكرين عليها عجبها بلطف ودعاء: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}، والمؤمن قد يعجب من أمر الله إذا استعظمه وإن كان يعلم أنه لا حدود لقدرة الله وأنه يفعل ما يشاء.
{رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ}.
رحمة الله عامة تشمل خيري الدنيا والآخرة، والبركات من الرحمة وهي أخص منها، فمن بارك الله عليه فقد رحمه.
والبركات: الخيرات التامة المتكاثرة.
ومجموع ما حيّا به الملائكة هي التحية التامة التي لا أفضل منها وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقد بدأوا بقولهم: (سلامًا).
ثم أتبعوا ذلك مخاطبين امرأة سيدنا إبراهيم بقولهم:
{رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ } وهذا يحتمل الدعاء، ويحتمل الإخبار بأن رحمة الله وبركاته عليهم.
فهم لم يقولوا: (إن رحمة الله وبركاته عليكم) لئلا يكون خبرًا محضًا، وإنما قالوا: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ} ليحتمل الدعاء والإخبار، وهما مرادان معًا. وقد يكون ذلك من التحية.
جاء في (روح المعاني): {رَحْمَةُ اللَّهِ} المستتبعة كل خير ... و{وَبَرَكَاتُهُ} أي خيراته التامة المتكاثرة التي من جملتها هبة الأولاد.
وقيل: الرحمة : النبوة ... وقيل: رحمته تحيته" (1).
و{أَهْلَ الْبَيْتِ} يحتمل أن يكون نصبا على المدح، وأن يكون نداء. وقيل: يحتمل أن يكون نصبًا على الاختصاص (2)، وفيه نظر.
{إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} والحميد: الذي يستحق الحمد على جهة الثبوت، والمجيد: الرفيع الكثير الخير والإحسان (3).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 278 إلى ص 279.
(1) روح المعاني 12/100 – 101.
(2) انظر روح المعاني 12/101، الكشاف 2/107.
(3) روح المعاني 12/101.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨١٠ |
{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 74]
قدم ذهاب الروع على مجيء البشرى لأنه أهم بالنسبة إلى الخائف؛ لأن الخائف لا يستمتع بالبشرى حتى يأمن.
{يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}
(يجادلنا) أي يجادل رسلنا في أمر قوم لوط وشأنهم (1). ولكن لما كان هذا أمر الله وهو الذي أرسلهم به كان كأنه جادل سبحانه في أمره "ففيه مجاز في الإسناد، وكانت مجادلته عليه السلام لهم ما قصه الله سبحانه في سورة العنكبوت {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا} فقوله عليه السلام: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} مجادلة" (2).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 279 إلى ص 279.
(1) انظر تفسير الرازي 6/376، روح المعاني 12/102.
(2) روح المعاني 13/102 – 103، لسان العرب (أوه).
الوقفة كاملة
|