إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى " إن قيل: لِم شاوره في أمر هو حتم من الله؟ فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده، فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب.
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" إن قيل: إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له: "صدقت الرؤيا"؟ فالجواب: أنه قد بذل جهده؛ إذ قد عزم على الذبح ولو لم يفده الله لذبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد قضى إبراهيم ما عليه.
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ " اليقطين: القرع، وإنما خصه الله به؛ لأنه يجمع برد الظل ولين اللمس وكبر الورق، وأن الذباب لا يقربه؛ فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب.
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ" إن قيل: ما المناسبة بين أمر الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على أقوال الكفار وبين أمره له بذكر داود؟ فالجواب عندي: أن ذكر داود ومن بعده من الأنبياء في هذه السورة فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووعد له بالنصر وتفريج الكرب، وإعانة له على ما أمر به من الصبر..
َلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها" يعني: حواء، فإن قيل: كيف عطف قوله: "ثم جعل" على "خلقكم" (بثم) التي تقتضي الترتيب والمهلة، ولا شك أن خلقة حواء كانت قبل خلقة بني آدم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول وهو المختار: أن العطف إنما هو على معنى قوله: "واحدة" لا على خلقكم، كأنه قال: خلقكم من نفس كانت واحدة ثم خلق منها زوجها بعد وحدتها...
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ" إن قيل: كيف تعدّي تلين بـــ (إلى)؟ فالجواب: أنه تضمن معنى فعل تعدى بإلى، كأنه قال: تميل أو تسكن أو تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله.
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ" إن قيل: لِم ذكرت الجلود أولاً وحدها، ثم ذكرت القلوب بعد ذلك معها؟ فالجواب: أنه لما قال أولاً: "تقشعر" ذكر الجلود وحدها؛ لأن القشعريرة من وصف الجلود لا من وصف غيرها، ولما قال ثانياً: "تلين" ذكر الجلود والقلوب؛ لأن اللين توصف به الجلود والقلوب: أما لين القلوب فهو ضدّ قسوتها، وأما لين الجلود فهو ضد قشعريرتها فاقشعرت أولاً من الخوف، ثم لانت بالرجاء.
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" قال الزمخشري: المراد بذلك تعظيم العذاب الذي يصيبهم، أي ظهر لهم من عذاب الله ما لم يكن في حسابهم، فهو كقوله في الوعد: "فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ".