إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ" الله برأ أربعة بأربعة: برأ يوسف بشهادة الشاهد من أهلها، وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بكلام ولدها في حجرها، وبرأ عائشة من الإفك بإنزال القرآن في شأنها، ولقد تضمنت هذه الآيات الغاية القصوى في الاعتناء بها، والكرامة لها والتشديد على من قذفها.
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ" إن قيل: لِم قال:"سمعتموه" بلفظ الخطاب، ثم عدل إلى لفظ الغيبة في قوله: "ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ"، ولم يقل: (ظننتم)؟ فالجواب: أن ذلك التفات، قصد به المبالغة والتصريح (بالإيمان)، الذي يوجب أن لا يصدق المؤمن على المؤمن شراً.
ِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ" فائدة قوله: "بألسنتكم" و"بأفواهكم" الإشارة إلى أن ذلك الحديث كان باللسان دون القلب، إذ كانوا لم يعلموا حقيقته بقلوبهم.
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا" "لولا" في هذه الآية عرض، وكان حقها أن يليها الفعل من غير فاصل بينهما، ولكنه فصل بينهما بقوله: (إذ) سمعتموه؛ لأن الظروف يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، والقصد بتقديم هذا الظرف الاعتناء به، وبيان أنه كان الواجب المبادرة إلى إنكار الكلام في أول وقت سمعتموه.
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى" قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن؛ لأن الله أوصى بالإحسان إلى القاذف، ثم إن لفظ الآية على عمومه في أن لا يحلف أحد على ترك عمل صالح.
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا " لأن الأنعام تطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء يتركون أنفع الأشياء وهو الثواب، ولا يخافون أضرّ الأشياء وهو العقاب.