وكافرهم() معذب في الآخرة باتفاق العلماء، وأما مؤمنهم: فجمهور العلماء على أنه في الجنة، وقد روي: أنهم يكونون في ربض الجنة يراهم الإنس من حيث لا يرونهم، وهذا القول مأثور عن مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقيل: إن ثوابهم النجاة من النار، وهو مأثور عن أبي حنيفة، وقد احتج الجمهور بقوله: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان}، قالوا: فدل ذلك على تأتي الطمث منهم؛ لأن طمث الحور العين إنما يكون في الجنة.()
وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضّل الله السابقين، فقال: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} وأما الصديق رضي الله عنه فكل آية نزلت في مدح المنفقين في سبيل الله فهو أول المرادين بها من الأمة، مثل قوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}، وأبو بكر أفضل هؤلاء وأولهم.()
{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنه أنزل الحديد كما ذكره، فقوام الدين بالكتاب الهادي والسيف الناصر {وكفى بربك هاديا ونصيرا}.()
قال القاضي: «ثم» للفصل مع الترتيب، فإذا قال: رأيت غلاما ثم فلانا، اقتضى أن يكون الثاني متأخرا عن الأول في الرؤية؛ ولهذا يحتج أصحابنا بقوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} أن ذلك للمهلة، فيقتضي أن يكون العود العزم على الوطء.()
وقال سبحانه وتعالى: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، فهذا وأمثاله يبين أن الله عز شأنه أوجب اتباعه فيما يقوله، وإن لم يكن من القرآن، وأيضا فرسالته اقتضت صدقه فيما يخبر به عن الله تعالى من القرآن وغير القرآن، فوجب بذلك تصديقه فيما أخبر به، وإن لم يكن ذلك من القرآن، والله سبحانه أعلم.()
وذكر مصارف الفيء بقوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب* للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون* والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون* والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم}. فهؤلاء المهاجرون والأنصار ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة، ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهرواني من أصحاب أحمد وغيرهم: أن من سب الصحابة لم يكن له في الفيء نصيب.()
بين الكتاب والسنة أن الشح والحسد من جنس واحد في قوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}، فأخبر عنهم بأنهم يبذلون ما عندهم من الخير مع الحاجة، وأنهم لا يكرهون ما أنعم به على إخوانهم، وضد الأول البخل، وضد الثاني الحسد؛ ولهذا كان البخل والحسد من نوع واحد، فإن الحاسد يكره عطاء غيره والباخل لا يحب عطاء نفسه، ثم قال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}؛ فإن الشح أصل للبخل وأصل للحسد، وهو ضيق النفس وعدم إرادتها وكراهتها للخير على الغير، فيتولد عن ذلك امتناعه من النفع وهو البخل وإضرار المنعم عليه وهو الظلم، وإذا كان في الأقارب كان قطيعة.()
وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعا لهواه، فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح؛ كما قال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين}.()