كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر تارة (سورة الإخلاص) و(قل يا أيها الكافرون)؛ ففي: {قل يا أيها الكافرون} عبادة الله وحده، وهو دين الإسلام، وفي: {قل هو الله أحد} صفة الرحمن وأن يقال فيه ويخبر عنه بما يستحقه وهو الإيمان هذا هو التوحيد القولي وذلك هو التوحيد العملي.()
والتوحيد القصدي العملي المذكور في قوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون} وما يتصل بذلك، فإن هذا بيان لأصل الدعوة إلى الله وحقيقتها ومقصودها.()
كان عمر يسأل ويسأل عن معاني الآيات الدقيقة، وقد سأل أصحابه عن قوله: {إذا جاء نصر الله والفتح} فذكروا ظاهر لفظها، ولما فسرها ابن عباس بأنها إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بقرب وفاته، قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم، وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها؛ فإنه لما أمر بالاستغفار عند ظهور الدين، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة، علموا أنه إعلام بقرب الأجل، مع أمور أخر، وفوق كل ذي علم عليم.()
الأذان من أفضل الأعمال؛ فإنه ذكر الله على وجه الجهر، ويفتح به أبواب السماء، وتهرب منه الشياطين، وتطمئن به القلوب، وهو إظهار لشعار الإسلام، وإعلام للناس بوقت الصلاة، ودعاء إليها، ومراعاة الشمس والقمر والظلال لذكر الله، قال الإمام أحمد: الأذان أحب إلي من الإمامة؛ لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه، والمؤذن يغفر له مد صوته. وهذا اختيار أكثر أصحابنا، وروي عنه أن الإمامة أفضل، وهذا اختيار أبي عبد الله ابن حامد وأبي الفرج ابن الجوزي.. والأول أصح لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين"()، ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان، والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد؛ لأن المغفرة نهاية الخير؛ ولهذا أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار بقوله: {إذا جاء نصر الله والفتح}، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.()
{قل هو الله أحد} فقوله: {أحد} يدل على نفي النظير، وقوله: {الصمد} بالتعريف يدل على اختصاصه بالصمدية، ولهذا جاء التعريف في اسمه الصمد دون الأحد؛ لأن أحدا لا يوصف به في الإثبات غيره، بخلاف الصمد فإن العرب تسمي السيد صمدا.()
من فوائد سورة يوسف:
حسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض، حتى كثرت عندهم الغلات جدا حتى صار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها، لعلمهم بوفورها فيها، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل، لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله.
ومنها: مشروعية الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف لقول يوسف لإخوته {أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ} .
أن استعمال الأسباب الدافعة للعين أو غيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر، فإن الأسباب أيضا من القضاء والقدر، لأمر يعقوب حيث قال لبنيه: {يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}.
أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره، بأمر لا يحب أن يطلع عليه، أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف حيث ألقى الصُّواع في رحل أخيه، ثم استخرجها منه، موهما أنه سارق، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك: {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} ولم يقل "من سرق متاعنا" وكذلك لم يقل "إنا وجدنا متاعنا عنده" بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره، وليس في ذلك محذور، وإنما فيه إيهام أنه سارق ليحصل المقصود الحاضر، وأنه يبقى عند أخيه وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعد ما تبينت الحال.
ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب عليه السلام، حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف، الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة، ويحزنه ذلك أشد الحزن، فحصل التفريق بينه وبينه مدة طويلة، لا تقصر عن خمس عشرة سنة، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} ثم ازداد به الأمر شدة، حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، هذا وهو صابر لأمر الله، محتسب الأجر من الله، قد وعد من نفسه الصبر الجميل، ولا شك أنه وفى بما وعد به، ولا ينافي ذلك، قوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه، الشكوى إلى المخلوقين.
من فوائد سورة يوسف:
أن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسرا، فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به إلى أنهى ما يكون، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر، أذن الله حينئذ بالفرج، فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجة واضطرارا، فتم بذلك الأجر وحصل السرور، وعلم من ذلك أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء، والعسر واليسر ليمتحن صبرهم وشكرهم، ويزداد - بذلك - إيمانهم ويقينهم وعرفانهم.
ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما، على غير وجه التسخط، لأن إخوة يوسف قالوا: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} ولم ينكر عليهم يوسف.
فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلهما، أحسن العواقب، لقوله: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}