وقال سبحانه: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}، وهذا وإن كان في الجمعة، فمعناه قائم في جميع الصلوات؛ ولهذا والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول: " اللهم افتح لي أبواب رحمتك "، وإذا خرج أن يقول: " اللهم اني أسألك من فضلك "().()
ولهذا يوجد في المتبع لهواه من الذل، ذل النفس وضعفها ومهانتها، ما جعله الله لمن عصاه؛ فإن الله جعل العزة لمن أطاعه، والذلة لمن عصاه، قال تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}، وقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}؛ ولهذا كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العز من أبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله، وكان الحسن البصري يقول: وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية في رقابهم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه، ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه، وفي دعاء القنوت: " إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت "().()
فإن كان أقطع من دون المرفقين إلى الأصابع غسل ما بقي منه؛ لأن العجز عن بعض الواجب لا يسقط فعل ما يقدر عليه منه؛ لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "متفق عليه().()
وقال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} والتقوى تجمع فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، ويروى عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يا أبا ذر لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم "()، ولهذا قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط، يقول: إن الله ضمن للمتقين أن يجعل لهم مخرجا مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيدفع عنهم ما يضرهم، ويجلب لهم ما يحتاجون إليه، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا، فليستغفر الله وليتب إليه.()
قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا* إذا مسه الشر جزوعا* وإذا مسه الخير منوعا *إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون} والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا الدائم على الصلاة بالمحافظ على أوقاتها، وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها، والآية تعم هذا وهذا؛ فإنه قال: {على صلاتهم دائمون} والدائم على الفعل هو المديم له الذي يفعله دائما، فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة: وهو أن يفعله كل يوم، بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى، وسمى ذلك دواما عليه، فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما، وأن تتناول الآية ذلك، وذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها؛ لأن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى المداوم على هذه الصفة، فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع، والشارع لا يذم إلا على ترك واجب أو فعل محرم.
الشر لا يجيء في كلام الله وكلام رسوله إضافته وحده إلى الله، ولكنه يأتي على أحد ثلاثة أوجه: إما على وجه العموم أو يحذف فاعله كقوله: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض}، أو يضاف إلى فاعله من المخلوقين.()
ولجماعة من الفضلاء كلام في قوله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه *وأمه وأبيه} لم ابتدأ بالأخ، ومن عادة العرب أن يبدأ بالأهم؟ فلما سئلت عن هذا قلت: إن الابتداء يكون في كل مقام بما يناسبه، فتارة يقتضي الابتداء بالأعلى، وتارة بالأدنى، وهنا المناسبة تقتضي الابتداء بالأدنى؛ لأن المقصود بيان فراره عن أقاربه مفصلا شيئا بعد شيء، فلو ذكر الأقرب أولا لم يكن في ذكر الأبعد فائدة طائلة، فإنه يعلم أنه إذا فر من الأقرب فر من الأبعد، ولما حصل للمستمع استشعار الشدة مفصلة، فابتدئ بنفي الأبعد منتقلا منه إلى الأقرب، فقيل أولا: {يفر المرء من أخيه}، فعلم أن ثم شدة توجب ذلك، وقد يجوز أن يفر من غيره ويجوز أن لا يفر، فقيل: {وأمه وأبيه}، فعلم أن الشدة أكبر من ذلك بحيث توجب الفرار من الأبوين، ثم قيل: {وصاحبته وبنيه}، فعلم أنها طامة بحيث توجب الفرار مما لا يفر منهم إلا في غاية الشدة، وهي الزوجة والبنون ولفظ: صاحبته، أحسن من: زوجته.()
قوله: {وإذا الموءودة سئلت *بأي ذنب قتلت} دليل على أنه لا يجوز قتل النفس إلا بذنب منها، فلا يجوز قتل الصبي والمجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهما، فلا ذنب لهما، وهذه العلة لا ينبغي أن يشك فيها في النهي عن قتل صبيان أهل الحرب، وأما العلة المشتركة بينهم وبين النساء: فكونهم ليسوا من أهل القتال على الصحيح الذي هو قول الجمهور، أو كونهم يصيرون للمسلمين، فأما التعليل بهذا وحده في الصبي فلا، والآية تقتضي ذم قتل كل من لا ذنب له من صغير وكبير، وسؤالها توبيخ قاتلها، وقوله في السورة: {إنه لقول رسول كريم} إلى قوله: {وما هو بقول شيطان رجيم} هو جبريل وهو نظير ما في سورة الشعراء أنه تنزلت به الملائكة لا الشياطين؛ بخلاف الإفك ونحوه فإنه تنزل به الشياطين فوقع الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم والأفاك والشاعر والكاهن وبين الملك والشيطان والعلماء ورثة الأنبياء.()
وأما إقسام الله بالنجوم كما أقسم بها في قوله: {فلا أقسم بالخنس* الجواري الكنس} فهو كإقسامه بغير ذلك من مخلوقاته، كما أقسم بالليل والنهار والشمس والقمر، وغير ذلك: يقتضي تعظيم قدر المقسم به والتنبيه على ما فيه من الآيات والعبرة والمنفعة للناس، والإنعام عليهم وغير ذلك، ولا يوجب ذلك أن تتعلق القلوب به أو يظن أنه هو المسعد المنحس، كما لا يظن ذلك في: {والليل إذا يغشى* والنهار إذا تجلى}، وفي: {والذاريات ذروا* فالحاملات وقرا} وفي: {والطور* وكتاب مسطور} وأمثال ذلك.()