{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}، كما قال بعضهم: فليستجيبوا لي إذا دعوتهم، وليؤمنوا بي أني أجيب دعوتهم، قالوا: وبهذين السببين تحصل إجابة الدعوة: بكمال الطاعة لألوهيته، وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه؛ حصل مقصوده من الدعاء، وأجيب دعاؤه، كما قال تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله}، أي: يستجيب لهم.()
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}؛ فنهى عن المباشرة لمن اعتكف في المسجد، وإن كان في غيره؛ لأن المباشرة في نفس المسجد لا تحل للعاكف ولا غيره، فعلم من هذا أن العاكف في المسجد قد يكون في حكم العاكف مع خروجه منه، حتى تحرم عليه المباشرة.()
قال الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}، فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عام في جميع أمورهم، وخص الحج بالذكر تمييزاً له؛ ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم؛ ولأنه يكون في آخر شهور الحول، فيكون علَما على الحول، كما أن الهلال علم على الشهر، ولهذا يسمون الحول: حجة، فيقولون: له سبعون حجة، وأقمنا خمس حجج، فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء، أو سببا من العبادة.()
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}، وقوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أو كلاما هذا معناه، وكل ما أحب لغير الله فقد يحصل به من الفتنة ما يمنع أن يكون الدين لله().
سياق الكلام عليه؛ كما قال: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}، وكما قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}.
الثاني: أنه أمر بالإتمام، وجعل الهدي في حق المحصر قائماً مقام الإتمام، والإتمام واجب، فما قام مقامه يكون واجبا؛ ولهذا لا يجوز له التحلل حتى ينحر الهدي؛ لأنه بدل عن تمام النسك، ولا يجوز له التحلل حتى يتم النسك.
الثالث: أن قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}، كقوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}، وذلك أن الإحصار المطلق هو الذي يتعذر معه الوصول إلى البيت، وهذا يوجب الهدي لا محالة.
الرابع: أنه قال: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} وهذا عام..، فإن أراد التحلل قبل النحر: لم يكن له ذلك، حتى لو رفض إحرامه وفعل شيئا من المحظورات، فهو باق على إحرامه).()
الإحرام بالحج قبل أشهره: مكروه...؛ لأن الله تعالى قال: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج}، ومعناه: أشهر الحج أشهر معلومات، أولهما شوال، فلا بد أن يكون لهذا التوقيت والتحديد فائدة، ولا يجوز أن يكون هذا التوقيت لأجل الوقوف والطواف؛ لأن الوقوف لا يكون إلا في يوم واحد آخر هذه المدة، والطواف إنما يكون بعده، فلا يجوز أن يؤقت بأول شوال، فعلم أن التوقيت للإحرام؛ ولأن الحج اسم للإحرام والوقوف والطواف والسعي، فيجب أن تكون هذه الأشهر مواقيت لجميع ذلك، وإذا كان وقتا لها لم يكن تقديمه قبل الوقت مشروعا؛ لأن التوقيت لا يكون لمجرد الفضيلة بدليل الصلاة في أول الوقت، فإنها أفضل من الصلاة في آخره، ولا يجعل ذلك هو وقتها.
إن قيل: كيف قيل: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}، والإفاضة من عرفات، بعد قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}؟ قيل: قد قيل: إنه لترتيب الأخبار، ومعناه أن الله يأمركم إذا أفضتم من عرفات أن تذكروه عند المشعر الحرام، ثم يأمركم أن تفيضوا من حيث أفاض الناس، وترتيب الأمر لا يقتضي ترتيب الفعل المأمور به، وإنما أمر بهذا بعد هذا؛ لأن الأول أمر لجميع الحجيج، والثاني أمر للحمس خاصة
{فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال}، إلى قوله: {ثم أفيضوا}، ويكون معناه: فمن فرض الحج فلا يرفث ولا يفسق، ثم بعد فرض الحج يفيض من حيث أفاض الناس، ويكون الكلام في بيان المحظورات والمفروضات، فإن قيل: لم ذكر لفظ الإفاضة دون الوقوف؟ قيل: لأنه لو قال: ثم قفوا حيث وقف الناس، لظن أن الوقوف بعرفة يجزئ في كل وقت بحيث يجوز تقديمه، وأما الإفاضة فإنها الدفع بعد تمام الوقوف، وقد علموا أن وقت الدفع هو آخر يوم عرفة، فإذا أمروا بالإفاضة منها علم أنه يجب أن يقفوا بها إلى وقت الإفاضة، وأنها غاية السير الذي ينتهي إليه الحاج، فلا تتجاوز ولا يقصر عنها ; لأن المقصر والمجاوز لا يفيضان منها.()
السنة للحاج: أن لا يبيت ليالي منى إلا بها; لأن الله سبحانه قال: {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه}، ومعنى التعجل: هو الإفاضة من منى، فعلم أنه قبل التعجل يكون مقيما بها، فلو لم يبت بها ليلا - وليس عليه أن يقيم بها نهارا - لم يكن مقيما بها، ولم يكن فرق بين إتيانه منى لرمي الجمار، وإتيانه مكة لطواف الإفاضة والوداع، والآية: دليل على أن عليه أن يقيم في الموضع الذي شرع فيه ذكر الله، وجعل ذلك المكان والزمان عيدا; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فعلوا ذلك; ولأن العباس رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له -متفق عليه()-.()
قوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} من باب بدل الاشتمال، والسؤال إنما وقع عن القتال فيه، فلِمَ قدم الشهر، وقد قلتم: إنهم يقدمون ما بيانه أهم وهم به أعنى؟ قيل: السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر وتشنيع أعدائهم عليهم انتهاكه وانتهاك حرمته، وكان اهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال، فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر، فلذلك قُدم في الذكر، وكان تقديمه مطابقا لما ذكرنا من القاعدة، فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر، وهلّا اكتفى بضميره، فقال: هو كبير؟ وأنت إذا قلت: سألته عن زيد هو في الدار، كان أوجز من أن تقول: أزيد في الدار؟ قيل: في إعادته بلفظ الظاهر بلاغة بديعة، وهو تعليق الحكم الخبري باسم القتال فيه عموما، ولو أتى بالمضمر فقال: هو كبير، لتوهم اختصاص الحكم بذلك القتال المسئول عنه، وليس الأمر كذلك؛ وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام، ونظير هذه الفائدة: قوله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عن الوضوء بماء البحر فقال -: " هو الطهور ماؤه "()، فأعاد لفظ (الماء)، ولم يقتصر على قوله: نعم توضئوا به، لئلا يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين، لضرب من ضروب الاختصاص، فعدل عن قوله: نعم توضئوا، إلى جواب عام يقتضي تعليق الحكم والطهورية بنفس مائه من حيث هو، فأفاد استمرار الحكم على الدوام، وتعلقه بعموم الأمة، وبطل توهم قصره على السبب، فتأمله فإنه بديع، فكذلك في الآية لما قال: {قتال فيه كبير}، فجعل الخبر بـ {كبير} واقعا عن: {قتال فيه}، فيتعلق الحكم به على العموم؛ ولفظ المضمر لا يقتضي ذلك، وقريب من هذا قوله تعالى: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين}، ولم يقل: أجرهم؛ تعليقا لهذا الحكم بالوصف، وهو كونهم مصلحين، وليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور، وقريب منه، وهو ألطف معنى قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}، ولم يقل: فيه؛ تعليقا بحكم الاعتزال بنفس الحيض، وأنه هو سبب الاعتزال، وقال: {قل هو أذى}، ولم يقل: المحيض أذى؛ لأنه جاء به على الأصل؛ ولأنه لو كرره لثقل اللفظ به لتكرره ثلاث مرات، وكان ذكره بلفظ الظاهر في الأمر بالاعتزال أحسن من ذكره مضمراً، ليفيد تعليق الحكم بكونه حيضاً، بخلاف قوله: {قل هو أذى}، فإنه إخبار بالواقع، والمخاطبون يعلمون أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضاً، بخلاف تعليق الحكم به، فإنه إنما يعلم بالشرع، فتأمله.()